رثائية في وداع الطيب صالح .. يا أرض ابلعي فرحك و يا سماء اجزعي


أيتها النفس أجملي جزعا

إن الذي تحذرين قد وقعا

الى روح سيدي

الطيب محمد صالح أحمد مشاوي

عاش محباً محبوباً ، و مات راضياً مرضياً

من إهداء الطيب صالح لوالده في رواية "مريود" بتصرف ضروري

سيدي ..لا اعرف كيف اكتب فيك اليوم
لا اعرف ماذا اكتب فيك اليوم
أنت فوق الكلمات
حزني فوق الكلمات
لكني إن لم أكتب فسأموت ..
سامحني يا سيدي ..
لابد ان اكتب ..
ستخرج حروفي عرجاء ..
مبللة كأنها عجين لا تكاد تبين ..
مفككة من البكاء ..
لكنها لابد ان تخرج ..
سامحني


[1]
"كان فناء المدرسة الوسطى ساكنا خاويا وقت الضحى، فقد أوى التلاميذ إلى فصولهم. و بدا من بعيد صبي يهرول لاهث النفس، و قد وضع طرف ردائه تحت إبطه حتى وقف أمام باب السنة الثانية و كانت حصة الناظر." يا ولد يا حمار. إيه أخرّك ؟ "و لمع الحزن في عيني الطريفي :" يا فندي سمعت الخبر ؟ "" خبر بتاع إيه يا ولد يا بهيم ؟ "و لم يزعزع غضب الناظر من حزن الصبي، فقال و هو يغالب دموعه :" الطيب مات "

من رواية "عرس الزين " بتصرف ضروري

[2]
سيدي الطيب يحمل ابداعه و يرحل خلف مصطفى سعيد ..يلج النهر..هل مات مصطفى سعيد ؟لا احد يعلم ..لكنه يقيناً اختفى ..سيدي الطيب الصالح حمل مصباحه و توغل في الغياب خلف مصطفى
الأن يصمت مصطفى سعيد ..ينفض المجلس من أمام دكان سعيد البوم الذي صار اسمه عشا البايتاتتنحني النخلة على الجدول تحاول عبثاً أن تعزيه ..مريود يعانق بندر شاه و ينوح ..الشيخ نصر الله ود حبيب يسترجع و يشكو حزنه لله
كرمكول لم تعد سوى قرية يتيمة في الشمال .. فقد ذهب نبراسها

[3]
اليوم يا سيدي نكتب فيك و قلوبنا تحترق
لطالما امتعتنالطالما افدتناأفاليوم توجعنا يا سيدي ؟
متصل بقلبي لوعتك يا سيدي ..فإلى الله تعزيتي عنك ..و لديه ثواب حزني عليك ..ما اغني عنك من الله شيئاً ..و لو وجدت لوقيتك بنفسي ..لكن أمر الله ينفذ ..و القلب منفطر ..و العين جارية ..و من فقدك لا سلوى
في مثلك قال القائل :فلئن بكيناه لحقّ لنا و لئن تركنا ذاك للصبرِفلمثله جرت العيون دماً و لمثله جمدت فلم تجرِمن فمك الشريف سمعت هذا الشعر ..و عنك حفظته ..من قائله ؟لست ادريحسبي أن أرويه عنك ..و فيك
يا سيدي ما حسبت الرجل يُثكل ..لكنّا اليوم بفقدك ثكلى ..نشق جيوب الكلمة ..نلطم خدود الحرف ..و نحثو الحبر على رؤوسنا ..

[4]
لم تكن يا سيدي تعلم حين كنت تخطو صبيا أغبشا ممزق الجلباب في رمال كرمكول أنك ستكون أسطورة ..كنت كغيرك من الاطفال ..تخرج ليلا لتتبع سيرة إسماعيل صبير التي لم تنسها قط ..إسماعيل صبير كان شقيقا لسبع فتيات ..اخته زينب (غفيرة ) كانت تغني سيرة عرسه ..حتى في بلاد الضباب يا سيدي لم تنس تلك السيرة و قلت إنها أجمل ما سمعت في حياتك و أنت من سمع أشهر المغنين و أندى الأصوات في افخم المسارح ..لكن غناء نسوة كرمكول في ليلة قمرية كان عندك اجمل من الاوبرا ..
لقد خرجت من كرمكول و من السودان لكنك حملتهما معك ..في قلبك أينما حللت ..ألم تكن الكسرة بمفروكة هي وليمة بيتك الانجليزي المفضله ؟و رغم برد لندن ظل صوت الرواويس بداخلك

[5]
ايها الوفي ما كنا لك بذات الوفاءفي ليلة ذات عودة اجتمع حولك شيوخ كرمكول ..قالوا لك سمعنا انك صرت كاتبا مشهورا فحدثنا يا ود محمد صالح بما كتبتقرأت عليهم قصصك التي جعلت اسمك على كل لسان و بكل لغة ..فنظروا الى بعضهم في دهشة ..ثم نظروا اليك ..قالوا لك :" دي ما ياها حكاوينا زاتا بس عملت ليها شوية حاجات "فقلت ضاحكا :" بس الحاجات دي هي زاتا البيسموها أدب "هل صمتت تلكم الضحكة يا سيدي ؟
ليت لي جناحان فأطير الآن إلى كرمكول ..لأراها كيف هي في ذهولها ..فالرجل الذي خلدها ذهب ..لولا قلمك يا سيدي الطيب لما عرف احد في الدنيا محجوب المبارك .. كان سيعيش و يموت مثله مثل غيره من اهل الشمال .. لكنك جعلت محجوب اسما ادبيا ..لولاك يا سيدي لما عرف احد " الفضل " الذي شهرته باسم " الزين " ..من غيرك كان سيحكي عن صيحة الفضل الشهيرة " يا ناس انا مكتول في حوش العمدة"؟

[6]
رحم الله فتح الرحمن البشير ..صديقك المقرب الذي اهديته "دومة ود حامد " امتناناً لفضله ..فتح الرحمن البشير كان الرجل الذي ساعدك على الذهاب الى بلاد الانجليز ..لتسطع من هناكلتكتب لنا عن شيلا وايزابيلا سيمور و جين مورس المرأة الرهيبة ..المحيرةيا فتح الرحمن ..اوتدري أي فضل لك علينا ؟اوتدري أي شمس اشعلت ؟طبت و طاب ما فعلت

[7]
الان سيهرع الناعون يا سيدي و حبيبي ..سيتركوك تثوى في بلاد الانجليز و لن يهتموا بدفنك هنا ..لو كان الامر بيدي لجلبتك لتدفن في مقابر ود بوبا بكرمكول ..مباشرة اسفل القبة ..لكنهم لن يهتموا بذلكسيصدر بيانا رسميا ينعيك لنا كأنما حزننا ينتظر بياناً ..
سيقول قوم أنهم رشحوك لتنال جائزة نوبل لكنك تعجلت الرحيل ..و هم لم يرشحوك للجائزة ..بل رشحوا الجائزة لك ..و انت لم تتعجل ..فأنت كنت أمامهم كل هذه السنوات ..لكنهم عجزوا ان يرفعوا بك رأساً

[8]
الى امير تاج السر محمد نور بدوحة قطر ..يا بقية من سيدنا ..اشعل" نار الزغاريد" و أطلق " عواء المهاجر" و اخرج لـ "صيد الحضرمية" فقد ذهب خالك الطيب الصالح و تركنا يتامى ..فخذ بيدنا يا أيها الأمير ..لا تتركنا ..اخرج يا رجل ..فمثلك لا تمسكه عيادة نائية ..خالك أيتمنا ..فكن لنا مكانه ..بحق سيدنا الطيب ..اخرج


[9]
سيدي ..حين اتاني الخبر كانت الدنيا متوشحة ظلامها ..بلا شك ..خبرك لا يأتي الا و الدنيا متوشحة ظلامها ..ذهلت ..حملت هاتفي و اخذت اتلفت ..بمن اتصل الان لينفي لي الخبر ؟انهم نيام لا يعلمون ما يقال ..أيموت الطيب صالح ؟ما اكذبكم ..فبقيت يا سيدي انتظر شمسا أشرقت مظلمة لاتصل بمن يقول لي إن مريود مازال بيننا حيا
و جاءت الشمس تحمل حزنها ..فكذبتها ..اتصلت بأكثر من شخص ..في السودان ..و خارجه ..أقاربك ..أصدقاءك ..ابحث عن شخص واحد يقول لي كلا ..ابحث عن شخص واحد ينفي..ابحث عن شخص واحد يقتل أحزاني ..فلم اجدكلهم قالوا لي احسن الله عزاك
كلهم قالوا لي .. مات
ليتهم كذبوا عليّ يا سيدي

ليتهم ما صدقوني القول ..

[10]
" فجأة انتبهت و كأنني استيقظ من حلم"

من رائعة سيدي الطيب "منسي "و أنا ايضا انتبهت ..و كأنني استيقظ من حلم فاذا سيدي الطيب يموت ..

يصمت ..

و يكف قلمه

يا لهف نفسي عليك يا سيدي

[11]
" أما اذا كرهته فأنت في مأمن ، و أكثر الكارهين له إما محب في حقيقته أصابه الرعب من طغيان ذلك الحب ، فهو يتصنع الكراهية ، و إما جاهل به و بشعره فليس عليه حرج"من رائعة سيدي الطيب " في صحبة المتنبي و رفاقه "و كذلك من كرهك يا سيدي

هو اما محب فزع من طغيان محبتكاو جاهل لا يدري عنك شيئا فهو معذوراما أنا فياحسرتي بحبك و قد ذهبت

[12]
ارتفع صوته فجأة ذات يوم في جمع عظيم من الرجال نفرهم العمدة لإصلاح حقله.ارتفع صوته المبحوح الحاد، كما يرتفع صوت الديك عند طلوع الفجر :" عوك يا أهل الحلة. يا ناس البلد. الطيب صالح مات "

من رواية "عرس الزين " بتصرف ضروري

مات الزين ( الفضل)مات العمدة( سعيد ميرغني)و مات الطيبيا لروايات الاحزان التي تركتها لنا يا سيدي

[13]
" يا الطيب ، يا الطيب. لماذا تريد أن تحزننا برحيلك ؟ "

من رواية "مريود" بتصرف ضروري

[14]
" و سلطان الموت لا يطال. أماانا فقد كنت حزينا بشكل اخر "

من رائعة سيدي الطيب " مريود "هل كنت تحكي عنا في يومنا هذا ؟

[15]
الطيب ود محمد صالح مشاوي

طبت حيا ..

طبت ميتا ..

طبت فينا ..

دوما يا سيدي

تفكيك شفرة دافنشي


[1]
العابر من مدينة الخرطوم بحري الى مدينة الخرطوم عبر كوبري النيل الأزرق يستطيع مشاهدة رمز عجيب على يمينه كل صباح.
من الكوبري تظهر العمارة الكويتية احد أشهر معالم الخرطوم على شارع النيل. يمكن للعابر أن يشاهد الفراغ بين المباني الثلاثة المكونة للعمارة الكويتية و هو يتشكل في شكل صليب. و من خلف أحد الفراغات يظهر برج الكاتدرائية كما لو كان ينبت من الأرض مع حركة العابر في اتجاهه جنوبا.
يعتبر "صليب العمارة الكويتية " احد أشهر الرموز المخفية في السودان. و لا اعلم هل هو عمل تم بقصد ام هي الصدفة.
من الرموز أيضا ما اشتهر في أيام تغيير العملة الأولى في بداية التسعينيات حين كان الناس يدققون النظر في أوراق المائة جنيه محاولين استكشاف الشكل المرسوم عليها و هل هو يقول :"الولاء لله و للجبهة الإسلامية " ام يقول شيئا أخراً ؟ هذا كان جدال لم يحسم حتى تغيرت العملة بأخرى.

[2]
الرمز و علم الرموز ليسا بشئ غريب و لا هي من نظريات المؤامرة التي يعشقها الناس.
الرمز هو الرسم المعبر عن شئ معين. و أكثر من استعمل ذلك هم الإغريق. فآثارهم مليئة بالرمز. و في منتصف السبعينيات من القرن الماضي نشأ "علم الرموز " على يد أستاذ في جامعة كورنيل اسمه فيكتور تيرنر. بروفيسور تيرنر وضع تعريفا لعلم الرموز أنه العلم الذي يتناول دراسة بعض العلامات المستخدمة ضمن ثقافة أو دين و الرجوع الى مصدرها.
منذ ثلاثة أعوام كنت في زيارة الى قباب حمد النيل الشهيرة برفقة عالمة آثار بولندية. حين ولجنا الى قبة لفت انتباهها العلامات الاربعة المزينة للأركان التي تحمل أسماء الخلفاء الاربعة رضوان الله عليهم. الأسماء مكتوبة داخل أيقونات لها شكل مميز. نبهتني دكتورة دروتا الى تشابه هذه الأيقونات مع أيقونات الملائكة الاربعة التي أرتني إياها في كنيسة نوبية تم اكتشافها منذ فترة قصيرة. و هم يردون أيقونات الملائكة الاربعة هذه الى العناصر الاربعة القديمة التي آمن القدماء أنها عناصر خلق الحياة. الماء و الهواء و النار و التراب.
إنها الرموز تتناثر حولنا لكننا اعتدنا عليها حتى لم نعد نحسن رؤيتها.

[3]
رواية "شفرة دافنشي " فجرت حمى الرموز في العالم. منذ العام 2003 لم يعد العالم ينظر للأشياء حوله بذات الطريقة القديمة. و بعد ان استولت هوليوود على الرواية كعادتها و جعلت نجمها توم هانكس يقوم بدور البطولة فيها عام 2006 اجتاحت حمى " الأشياء التي ليست كما تبدو " هوليوود. فجاء من تبعاتها احد أجمل الأفلام السينمائية و هو فيلم " الكنز الوطني " بجزأيه بطولة نيكولاس كيج. حيث يقوم البطل في " الكنز الوطني " بتفكيك رموز وطنية أمريكية كورقة الدولار و غيرها في محاولة منه للعثور على كنز ضخم مختفي. طبعا الكنز من مخلفات الحضارات السابقة التي يعتبرها الأمريكان ميراثا حلالا لهم.
رواية "شفرة دافنشي" هي الرواية الأم التي نبهت الناس الى كثير من الأشياء العادية في حياتهم و أنها ليست عادية قط.
و قد بلغ الجنون بها مبلغه .فطبع من الرواية أكثر من عشرين مليون نسخة في أكثر من خمسين لغة . و كُتبت عنها مئات المقالات و أنشئت عشرات مواقع الانترنت لمناقشتها. حتى الفاتيكان نفسه انشأ موقعا خاصاً لمناقشة ما جاء في هذه الرواية. و نُشرت ثلاثة كتب عنها هي :الحقيقة وراء شفرة دافنشي .. و حل شفرة دافنشي .. و الحقيقة و الخيال في شفرة دافنشي.
لم اقرأ إلا الكتاب الأول " الحقيقة وراء شفرة دافنشي " لمؤلفيه ماري فرانس اتشغوان و فريدريك لونوار. و الحقيقة انه جاء سمجا باردا بترجمة ركيكة أفسدت أسلوبه الصحفي السيئ أساسا. فالكتاب في الأساس مجموعة مقالات نُشرت في الصحف الأمريكية قام كاتبيها بتجميعها في كتاب.
أما في متحف اللوفر – المسرح الرئيسي لأحداث الرواية – فقد كان المرشدون يفقدون صوابهم من تدافع الزوار الذين يسألون من أحداث الرواية و من حقيقة ما جاء فيها.

[4]
مؤلف الرواية هو أستاذ لغة انجليزية سابق اسمه دان براون (Dan Brown). ولد عام 1964 و كتب عددا من أغاني البوب بل غنى بعضها أيضا قبل ان يتجه الى التأليف.
كتب دان براون أربعة روايات أولها " الحصن الرقمي " عام 1998 و أخرها "شفرة دافنشي"عام 2003 التي حولته الى مليونير بل رشحته بها التايمز كواحد من أكثر مئة شخصية تأثيرا في العالم.
لدان براون رواية خامسة عن الماسونية اسمها "مفتاح سليمان" من المتوقع ان تصدر في هذه الأيام.
تسيطر على دان براون – حسب رواياته – فكرتي المؤامرة الحكومية و الرموز. و قد استطاع ان يجمع الفكرتين في روايته "ملائكة و شياطين " التي صدرت عام 2001 في نفس الجو الكنسي الذي كتب عنه "شفرة دافنشي" ثم أعاد الفكرة بذات البطل في الرواية الشهيرة.
العجيب أن تقييمي – و تقييم كثير ممن حدثتهم في هذا الأمر – أن رواية ملائكة و شياطين أجمل و أمتع من رواية "شفرة دافنشي" لكن للروايات حظوظ.
و قد تعجب الأستاذ الطيب صالح من قبل لشهرة روايته " موسم الهجرة الى الشمال" على حساب "مريود".
الحقيقة أن روايتي "ملائكة و شياطين" و "شفرة دافنشي" بهما تجويد يفوق روايتي براون الأخريين " الحصن الرقمي" و "حقيقة الخديعة " . بل ان الحصن الرقمي رواية باهتة لم استطع ان اقرأها أكثر من مرة واحدة و هي لا تحمل أي إبداع بل هي مغامرة أمريكية عادية بل اقل من عادية.
لكن الجمال الوصفي و المعلومات الغزيرة التي تدفقت في " الشفرة " و " ملائكة و شياطين " غيرت أسلوب براون. و ربما يعود الفضل في ذلك الى زوجته المتخصصة في الآثار.

[5]
الرواية من حيث أسلوبها بسيطة جداً بل إني ازعم أنها مكررة و بها كثير من الأخطاء في الحبكة.
لكن فكرتها هي ما جلب لها كل هذا الإعجاب و الضجيج.
فكرة الرواية حول سر مسيحي قديم هو أن السيد المسيح عليه السلام كان متزوجاً من مريم المجدلية و له منها سلالة. هذه السلالة حاربتها الكنيسة و أخفتها لتكريس سيطرتها على العالم المسيحي. و كعادة الأسرار التاريخية تقوم مجموعة من الناس بحماية السر و مقاومة الكنيسة في سرية.الصراع العجيب طرفاه يريدان إخفاء السر. الكنيسة لمنفعتها الشخصية و المجموعة المدافعة لأن البشرية لن تتحمل اكتشاف الحقيقة. يمتد هذا الصراع في العالم المسيحي عبر التاريخ حتى يصل الى فرنسا في القرن الواحد و العشرين. هذه المجموعة التي تخفي السر – أخوية سيون الدينية- كان في عضويتها دافنشي و اسحق نيوتن و غيرهما من المشاهير. و قام دافنشي بإخفاء رموز للسر المقدس في كل أعماله كما تدعي الرواية. فمن الموناليزا الى عذراء الصخور تتناثر الرموز و الأسرار الخفية التي تنتظر من يكتشفها.
و هو شئ يكاد يكون غير مفهوم إذ لماذا تحرص الجماعة السرية على نشر رموز تقود الى اكتشاف سرها الذي تدافع لأجل إبقاءه سرا ؟
أسلوب الرواية اعتمد على الحبكة البوليسية و المطاردات التي يعشقها القارئ الامريكي – لا تنس روايات جيمس بوند التي تبدأ دوما بمطاردات بالزلاجات أو السيارات لسبب مجهول لكنها تفتن العقلية الأمريكية - كما اعتمدت الرواية على أسلوب البناء المتوازي حيث بها ثلاثة خيوط تنمو سويا لتتقاطع في النهاية.
الحقيقة هي انه لولا جراءة الفكرة و روعة الرموز لكانت الرواية مجرد عمل بوليسي ضخم. لهذا قال عنها الناقد البريطاني مارك لوسون إنها مجرد هراء خلاب.

[6]
تبدأ القصة باغتيال القيم على متحف اللوفر جاك سونيير من قبل جمعية سرية هي أبوس داي – و هي جمعية حقيقية - لإخفاء السر الرهيب.
لكن سونيير – رغم عمره ذي السادسة و السبعين عاما كما تنص الرواية يستطيع و هو يحتضر أن يرسم أعقد و ألعن شبكة رموز و أدلة يمكنك أن تراها.
إنها رموز احتاجت من العقول الواعية الى جهد لتفهمها و تفككها فتتعجب أنت من كيف لعجوز يحتضر في غرفة مغلقة بعد تعذيبه أن يقوم بتجهيز هذه الرموز المعقدة التي تحتاج الى عقل واعي و جسد صحيح لوضعها.
يقوم القتيل برسم دائرة حول جسده بدمه و يموت في وضعية تشير الى لوحة ليوناردو دافنشي الشهيرة " الرجل الفيتزوفي " و كتب رسالة بمتوالية فيبوناتشي و ترك عشرات الألغاز المرهقة.
طبعا لمواجهة لغز كهذا يدفع دان براون ببطل روايته السابقة " ملائكة و شياطين" و اللاحقة " مفتاح سليمان " روبرت لانغدون" – اسمه لانجدون لكنها طريقة المترجمين الشوام المألوفة منذ تراجم أرسين لوبين و سوبرمان- يدفع براون ببطله الى الرواية حيث تستدعيه الشرطة كمشتبه فيه لأن القتيل ترك فيما ترك اسمه مكتوبا بالدم الى جواره.
لسبب ما يفضل مفتش الشرطة أن لا يواجه روبرت لانغدون بهذه الحقيقة و يتظاهر أمامه انه يريد الاستعانة به. يبدأ لانغدون في محاولة فك الشفرات العويصة التي تركها لهم العجوز المحتضر حاضر الذهن حين تظهر صوفي حفيدة الفقيد التي تعمل مع الشرطة الفرنسية. طبعا لا احد في جهاز الشرطة يعلم أنها حفيدة قيم المتحف الشهير لذلك يتعامل معها ضابط الشرطة باعتبارها زميلة لا أكثر.
تقوم صوفي التي جاءت لتوها بتهريب لانغدون بسرعة من المتحف. فرغم أنها تعمل في قسم الشفرة لدى الشرطة الفرنسية إلا إنها تعلم ما يجري في التحقيق و تعلم ان البوليس الفرنسي وضع جهاز تتبع في ثياب لانغدون.
يهرب لانغدون كأي بطل أمريكي محترم و يدوخ الشرطة الفرنسية خلفه.
هنا تبدأ الحبكة البوليسية المرهقة التي تحبس أنفاسك. لكنك تتعجب من قدرات أستاذ الجامعة الذي هو خليط من رامبو و جيمس بوند و ادهم صبري. فهو يدوخ الشرطة الفرنسية داخل باريس و يتخطى كل الصعاب و يفكر و يحلل في ذات الوقت الألغاز التي تركها قيم المتحف خلفه كما لو كان جالسا على كرسيه على شاطئ نيس ينعم بوقته.

[7]
الخيط الثاني و الثالث في الرواية يعتمدان على جمعية أبوس داي التي نشاهد قاتلها المأجور سيلاس الأبرص و هو يطارد بروفيسور لانغدون عبر شوارع باريس و لندن في محاولة لإخفاء السر و نشاهد القس أرينغاروزا المسئول عن الجمعية الذي يتابع المطاردة من البعد في اتفاق مع الفاتيكان لتركيز مكانة الجمعية في ابتزاز صريح.
هناك شخصية تظل مجهولة و هي شخصية " المعلم " الذي نفهم من تسلسل الأحداث و بناءها انه الشخصية الرئيسية في محور الشر هذا ( شرير الرواية ) فهو الذي يعرض على الجمعية العثور على السر المقدس و يقوم بتوجيه القاتل. تظل شخصية المعلم مخفية حتى نهاية الرواية رغم ان منطق الروايات البوليسية يجعلك تشك في شخصيته منذ البداية. فحين يكون لديك لغزا فيه قتيل و مفتش شرطة و زوجة القتيل فان القاتل لا يكون شخصية خارج أحداث الرواية بل لابد أن يكون زوجة القتيل. مرة واحدة نوعت أجاثا كريستي هذا التقليد دون الخروج عليه فجعلت القاتل هو مفتش الشرطة نفسه لكن هريكل بوارو استطاع اكتشافه.

[8]
بدون أي سبب مقنع يقرر روبرت لانغدون اللجوء الى صديق قديم له هو السير لاي تيبيينغ ليساعده في فهم الألغاز التي تركها له قيم المتحف المتوفى.
منطق الرواية يقول أن هذا الرجل هو الوحيد في العالم المتخصص في سر الكأس المقدسة التي قادت الألغاز الوضع إليها.
نعم نرى أن لانغدون يفهم هذا الأمر حتى انك لتتعجب لحوجته لمعونة السير لاي لكن المنطق الأدبي يقول : دعني أخدعك .. دعني انخدع.
يتورط السير لاي مع المطاردين فيفر معهما الى لندن لاستكمال البحث.
و من السير لاي نسمع قصة الكأس المقدسة التي تتحول الى أنثى و يحكي قصة تحريف المسيحية و مؤامرة الفاتيكان و غيرها من القصص التي أثارت حفيظة الكاثوليك حتى مُنع الفيلم في لبنان و مصر و هاجمه كثيرون.
لكن أهم ما تكلم عنه السير لاي هو ليوناردو دافنشي و رسومه.
و يظل تفكيك لوحة العشاء الأخير حيث تزعم الرواية أن أحد الحواريين بها هو أنثى – و هي مريم المجدلية – و أن الفراغات في جسدها و جسد المسيح متقابلة فيصنعان شكل الكأس كما أن ثيابهما في اللوحة متشابهة تظل هذه الجزئية هي أكثر الجزئيات إثارة للدهشة في كل الرواية الضخمة.
طبعا من الاتهامات – الكثيرة – التي ألقاها السير لاي في الرواية هي أن ليوناردو دافنشي كان شاذا جنسيا و هذه التهمة أثارت حفيظة أهالي بلدة فنتشي مسقط رأس الرسام العبقري فعقدوا مؤتمرا يؤكدون فيه أن ليوناردو كان – من دون مؤاخذة – يشتهي النساء. و عرضوا رسومات له تؤكد ذلك. لا ادري هل سكان فنتشي حسانية أم أن سمعة ابن بلدتهم أهم عندهم من دينهم نفسه.

[9]
كما قلت سابقاً فان للقصص البوليسية تقاليد لا تخرج عنها لذلك نكتشف في نهاية الرواية أن الشرير ( المعلم ) هو نفسه السير لاي تيبيينغ الذي لجأ إليه لانغدون. و تقليلا للشخوص حتى لا يستعين الكاتب بشخصية جديدة نجد أن أخر سلالة المسيح هي صوفي الحسناء التي تلهث هاربة مع البروفيسور الامريكي من بلد الى بلد.
في الرواية يقول دان براون أن لها أخ حي و أسرة موجودة. لكن صناع الفيلم اختاروا أن يكونوا أكثر تحديدا و اختصارا فجعلوا صوفي الوحيدة الباقية من النسل.

[10]
قامت القيامة تقريبا بعد نشر الرواية على دان براون و تعرض لهجوم عنيف جداً من اليمين المسيحي. بل اتهمه كاتبان هما ريتشارد لي و مايكل بايجنت انه سرق الفكرة من كتاب لهما و قاما برفع الأمر الى القضاء الذي حكم لصالح براون. و دافعت جماعة أوباس دي عن اتهامات براون لها في الرواية أن أعضائها يمارسون التطهير الذاتي فيربطون الأحزمة الشوكية على أفخاذهم كنوع من العقاب الذاتي.
اخطر الاتهامات بلا شك هي اتهامات الفاتيكان انه أخفى حقيقة ناسوتية المسيح و دور الأنثى في المسيحية ليكرس للمجتمع الذكورية و العقيدة المخترعة. و هي لب الرواية و أساس إبهارها بعد رمزيات دافنشي.
لكن من ناحية أدبية فان دان براون كان قد قدم اعتذارا ذكيا في الرواية عن كل هذا رغم ان أحدا لم يتلفت إليه.
كل المعلومات عن الأنثى المقدسة و دورها في الديانة المسيحية جاءت على لسان السير لي شرير الرواية و عدو الفاتيكان الذي خدع الفاتيكان و خدع جمعية أوباس دي و خدع صديقة لانغدون. ان السير لي هو الشرير كما ينبغي له أن يكون. لم يكن ينقصه إلا ان يشرب دماء الأطفال في الليالي القمرية لتكتمل فيه صفات الشرير في الدراما الأمريكية.
ان تصدر كل هذه المعلومات من شرير الرواية فان هذه تراجع خطير جدا عنها لم يشر إليه الكاتب حتى لا يقتل روايته بنهاية تصرح أن كل ما سبق كان كذبة.
لكن التفكيك المنطقي للأشياء يقول أن كل الأشياء التي أثارت حفيظة الفاتيكان إنما كان عمدتها أن السير لي عالم له مكانته و كلمته معتبرة- بحسب الرواية- فلما ظهر في النهاية أنه الشرير الذي قتل كل هؤلاء الناس فان معلوماته تصبح في وضع حرج قليلاً. و يصبح هؤلاء الناس المنزوين في كنيسة بعيدة زاعمين أنهم من نسل مريم المجدلية من المسيح في حاجة لإثبات ذلك من أول الأمر.

[11]
منذ أيام عثرت مصادفة على تسجيل لفيلم وثائقي بثته قناة ديسكفوري عن اكتشاف قبر للمسيح في القدس.
الفيلم به الكثير من المفاجئات و المعلومات المثيرة .. لكنه لا يفرقع كما تفعل الروايات البوليسية التي أبطالها أساتذة جامعات يجيدون عمل رامبو.
ان العلم يسير في هدوء بينما الهراء الخلاب هو كاسمه .. هراء و خلاب.
لكن ان تابعنا موضة هذا الهراء هل تستطيع أن تنظر حولك و تخبرني عن الرموز المختفية في كل شئ حولك ؟


***

التمييز ضد الصلع .." حبيت أب قجيجة" نموذجاً


[1]
نشطت في العالم خلال السنوات الخمسين الأخيرة حركات مناهضة التمييز في كافة أشكاله الجندرية أو العرقية أو الدينية أو الثقافية . بل قامت دول كالولايات المتحدة الأمريكية بعد تاريخ طويل في التمييز العرقي و العنصرية القبيحة بسن قوانين للتمييز الايجابي في محاولة للاعتذار عن الظلم الذي لحق بالعنصر الإفريقي المهمش.
لكن أحدا لم يهتم بالتمييز الواقع ضد ذوي الصلع .. و هو تمييز قبيح مؤلم.
هذه المقالة محاولة للتأسيس لـ " حقص " .. حركة قوى الصُلُع .
إن كنت من أرباب الصلع فامسح على رأسك و تعال لتقرأ هذا المقال.


[2]
الصلع ظاهرة سببها حساسية تصيب جذور الشعر من إفراط الجسم في إفراز هرمون الذكورة (
التستسترون Testosterone) .. و هي المعلومة العلمية الصحيحة التي يترجمها رجل الشارع الى فحولة الأصلع و أنه أكثر رجولة من غيره. هذه الحساسية تورث عبر الجينات من الآباء الى الأبناء مثلها مثل أي موروث جيني آخر.
و علاقتها بهرمون الذكورة هي السبب في إصابة عدد من النساء بالصلع بعد سن الثمانين حيث ترتفع نسبة الهرمون لديهن.
لمحبي الأرقام أقول أن دراسة أجريت في اسبانيا أكدت ان 57% من النساء يصبن بالصلع بعد سن الثمانين. و هي صيغة لطيفة لقول إن 57% من النساء يبدأن في التحول الى رجال بعد سن الثمانين.
عليه يمكنك أن تنادي جدتك بلقب : "جدي " بلا أي قلق فالحقائق العلمية في صفك.

[3]
التمييز ضد الصلع – الذي هو موروث جيني – حقيقة ظاهرة في كل المجتمعات حولنا .. تبدأ من وصف أي شخص أصلع بهذه الصفة دلالة على الاختلاف و إشارة الى أنها علامة مميزة لابد ان تلفت النظر. بينما لا يكون من الطبيعي أبدا أن تصف شخصاً بأنه فلان ذو الشعر.
من مظاهر التمييز ضد الصلع ما حدث في ألمانيا عام 2005 حيث رفضت المحكمة طلبا من زميل أصلع بإدراج قيمة الشعر المستعار ضمن التأمين الصحي للرجال. بينما يغطي هذا التأمين علاجات تساقط الشعر و الصلع و فواتير الشعر المستعار للنساء.
و بررت المحكمة حكمها بأن الصلع للرجال أمر شائع و مقبول.
الغريب أن السعوديين ينفقون سنوياً مبلغ 320 مليون دولار لمكافحة الصلع عبر عمليات الزراعة و المستحضرات المقاومة للتساقط.
فهل تنفق المملكة العربية السعودية هذا المبلغ ( أكثر من مليار ريال سعودي ) في مكافحة أمر شائع و مقبول ؟
إنما هي عنصرية أصحاب الشعر و كيلهم بمكيالين.

[4]
و في السودان عاني الصلع من ذات الاستهجان و التهميش و التمييز.
و هو تمييز له جذور ممتدة في التاريخ و الثقافة الشعبية.
في فترة الستينيات التي كانت فترة لحركات التحرر الوطني و الحريات و النهضة في كل العالم كان المجتمع السوداني لا يجد غضاضة في أن يمجد حركات التحرر مغنياً لباتريك لوممبا ممجدا له و في ذات الوقت يغني للصلع مزدريا إياه.
اشتهرت في الستينيات أغنية نسائية تقول :
"يا باكو السجاير .. يا الفي الحفلة داير .. حبيت أب قجيجة و أريت أب صلعه طاير"
هذه الأغنية نتاج لعقلية التمييز ضد الصلع و تهميشه. فأب صلعه لا حق له في الحب و لا أن ينال إعجاب الفتيات .. بل إنهن يدعون عليه أن يطير.
و لا شك ان مثل هذه العقلية لدى النساء إنما هي من نتائج الاستلاب و الوقوع تحت تأثير العقلية الذكورية الشعرية التي تخشى من ذكورة الصلع التي قلنا أن سببها هو ارتفاع نسبة هرمون الذكورة لدي الأصلع.


[5]
هذا التأثر بالعقلية الذكورية الشعرية التي تخشى الأصلع ظهرت في إيران حيث قامت إحدى الزوجات برفع دعوى لدى محكمة العائلة مطالبة بالطلاق من زوجها ( اسمه أمير ) لأنها اكتشفت ليلة الدخلة أنه أصلع و أن شعره الذي أعجبت به كان مجرد باروكة.
حاولت الزوجة إخفاء حقيقة صلع زوجها عن عائلتها و أصدقائها لكن أمير رفض الاستمرار في الخداع و أصر على مواجهة العالم بصلعه. تقول الزوجة ان هذا الأمر سبب لها حرجاً كبيراً حتى أصبحت تضطر الى زيارة أهلها و الظهور في التجمعات بمفردها خجلا من صلع زوجها.
و حين تأكدت تماما من أن الزوج الأصلع مصمم على إشهار صلعه قررت طلب الطلاق. و أكدت الزوجة أنها مستعدة للعيش معه إن قبل ارتداء الباروكة.
إن أمير الإيراني بطل من أبطالنا المجاهيل الذين حان الوقت لكشف النقاب عنهم و معرفتهم.
أحيي فيك أخي أمير ثباتك و مبدئيتك .. أدام الله عليك صلعك.
للتوثيق و فضح التمييز ضد الصلع لابد من الإشارة الى ان اسم الزوجة هو سولماز.
لا تسألني عن معنى الاسم فكل هذه الأسماء الفارسية الغريبة تعني الزهرة النادرة أو الأميرة المدللة أو النهر الهادئ أو أي هراء أخر. لو اخترعت أي اسم به كثير من حروف السين و الزاي و الواو فستجد العبقري الذي يقول لك أن معناه وردة الصباح الزرقاء. ان لهذا قوة قوانين الجاذبية و الطفو.

[6]
اختصاصيو علم الأنتروبولوجيا يقولون إن الصلع مرتبط، منذ قديم العصور بالحكمة والتنوّر والتخلّي عن مباهج الحياة كبداية لرحلة إلى العالم الجديد.. عالم التأمّل والروحانيّات. في القرن السادس عشر قبل الميلاد خلع مهاويرا مؤسّس الديانة الجينيّة في الهند الذي وُلد من أسرة أرستقراطيّة حاكمة الملابس الفاخرة والحليّ وحلق رأسه ونتف شعر جسمه، ليبدأ حياة التأمّل والبحث عن الحقيقة التي تجلت في عقائد ديانته "الجينيّة".
كما أن الصلع هو أحد مظاهر التحرر الفكري لدى البوذيين.

[7]
التاريخ الإنساني زاخر بالمشاهير الصُلُع. فالحقائق تدعم ذكاء الأصلع و عبقريته لكن محاولات "الشعريين" لإخفاء و مغالطة هذه الحقائق لا تنتهي.
يقال أن آدم عليه السلام كان أصلعاً .. جداتنا في الموروث الشعبي يحاولن تفسير ذلك فيقلن أنه كان طويلاً جداً حتى أن رأسه كان يحتك بالسماء مما سبب له الصلع.
كونفوشيوس حكيم الصين كان أصلع الرأس من النوع الذي يسخر منه السودانيون و يسمونه "قرعه" أو " كوجاك ".
الفرعون مرنبتاح ابن رمسيس الثاني كان أصلعا كما أكدت الفحوصات التي أجريت على موميائه.
علي بن أبي طالب كان أصلعا.
ليوناردو دافنشي عبقري كل العصور كان أصلعا.
برنارد شو كان أصلعا.
ونستن تشرشل كان أصلعا.
حتى أجاثا كريستي حين أرادت ان تخلق شخصية روائية ذكية لم تستطع ان تجعل لبطلها هريكل بوارو شعراً. فجعلته أصلعا. من كان سيصدق أن عبقرياً كبوارو يمكن أن يكون بشعر ؟


[ 8]
أمريكا المولعة دوما بارتكاب الجرائم ثم التكفير عنها بدأت الان في التكفير عن التمييز ضد الصلع. هذا التكفير تمارسه النساء الأمريكيات حيث أجريت دراسة إحصائيّة أمريكيّة بيّنت أنّ النساء ما بين 23 و 66 سنة يجدن الرجل الأصلع أكثر ذكاء ونضجًا من سواه، وأكثر استعدادًا للنجاح في الحياة لأنّ اهتماماته تتركّز على رجولته بأبعادها الإنسانية ومعانيها العميقة.
ربما لهذا اجتهد العلماء الأمريكان في بنسلفانيا في اكتشاف نوع من الخلايا تساعد على نمو الشعر و اعتبروا ذلك بشارة بعلاج الصلع. و نشرت مجلة "التكنولوجيا الحيوية للطبيعة" ان الخلايا المكتشفة بها جينات معينة لحويصلات الشعر نشطت بشكل لم يحدث في الخلايا الأخرى. وأضافت ان العقاقير التي تؤثر على هذه الجينات في البشر قد تؤدي الى التوصل لأساليب جديدة للتحكم في نمو الشعر.
من اللطيف أن هذه الخلايا ربما تساعد على علاج مرض السرطان لكن التركيز اغلبه انصب على علاج الصلع كما لو كان مرضاً . إنها العقلية الذكورية الشعرية ترتجف من قبول النساء للرجل الأصلع.

[9]
في ألمانيا التي رفضت محاكمها دفع التأمين الصحي لرجل أصلع توصل العلماء الى ان مادة الكافيين تساعد على وقاية الانسان من الإصابة بالصلع. الكافيين يوجد في القهوة و الشاي و المياه الغازية و الشكولاتة.
عليه ان كنت تخاف على شعرك و تريد الوقاية بالكافيين فعليك بدهن شعرك بأحد هذه المشروبات أو تناول ما بين 60 الى 80 فنجاناً من القهوة في اليوم .
من وسائل مقاومة الصلع أيضاً التنويم المغنطيسي و عمليات زراعة الشعر. و من المشهور طبعاً قصة الأصلع الذي لحست البقرة رأسه فنبت شعره مجدداً.
عليه ان كنت تخشى ان تنضم الى الفئة المهمشة هذه فان خياراتك واسعة .. تمتد من الوفاة جراء الإفراط في شرب القهوة الى الجلوس تحت بقرة لتلحس رأسك.

[10]
انه نداء لكل أصلع لمقاومة التمييز ضدنا و الدعوة الى رفع الظلم الواقع علينا و نشر ثقافتنا الصلعاء بعيدا عن الاستلاب و القمع و التهميش الذي يمارسه ذوي الشعور تجاهنا.
عزيزي القارئ ان كنت من ذوي الصلع فقد حان الوقت لتنضم الى "حقص" (حركة قوى الصلع) لتسترد حقوقك المستلبة.
و من يدري .. ربما قادت الحركة نضالاً مسلحاً – فخياراتنا مفتوحة – حتى توقع اتفاقية سلام مع المجتمع الشعري تحفظ بها حقوقنا .
و ليكن شعارنا :
"يا باكو السجاير .. يا الفي الحفله داير .. حبيت أب صلعه و أريت أب تفه طاير "


[11]
أخي الأصلع .. احذر الخونة و الخيانة ..
ألقت الشرطة في هونغ كونغ القبض على آلان شان (32 عاماً) الموظف في بنك "دي بي اس " لاختلاسه مبلغ 43 ألف دولار أمريكي من حساب أحد العملاء ليسدد مصاريف عملية زراعة شعره.
العملية فشلت مما اضطر الشاب لسرقة المبلغ لتسديد ثمن العملية و البحث عن علاج جديد.
هذا جزاء كل خائن لصلعه
.




***

غداً يعود حبيبي



" من دفتر أوراق خاصة .. "
ح. زين


***



حبيبتي ..
تتلكأ النجوم فوقي تأبى أن تطوي ليلي .. ليلة واحدة تبقت بيني والقدوم إإليك ..
ما أروع الإحساس بقرب اللقيا .
معادلة الشوق بطرفيها أنتِ والبعاد تؤرقني .
متى تشرق الشمس وتنطوي الرحلة لتصل قواربي المتعبة من طول الارتحال إلى شواطيك .


***
حبيبتي ..
حمّلت بعض أشواقي إليك شفق الشمس الغائبة منذ يومين .. ولم يأتني منك رد .. طيور النورس قالت أن الشمس أخلفت موعدها الأزلي ولم تشرق .. نوار الليمون اتهم أشواقي أنها أثقلت الشمس حتى أسقطتها خلف حد المنتهى عند بحر الظلمات.

***
حبيبتي ..
ليلة الأمس كانت الرياح تصارع الوجود خلف نافذتي .. الجو خارج غرفتي لا يُغري بالخروج .. جلست وطيفك والوجد ثالثنا .. طيفك أخبرني أنك التقيت صديقة قديمة لي فثارت غيرتك وغضبت عليّ .. أخبرته أن ذلك كان زماناً غير الزمان.. لم يكن حبك قد غيّر كل مفاهيم المعقول لديّ بعد .. توسلته أن لا يحاسبني على ما كان ونبوءة حبك لم تُعلن في مُدني بعد .. أنا أرجو عفوك بيقيني أن حبك يجُب ما قبله .

***
حبيبتي ..
إني نهب الشوق المجنون .
الإحساس الممض بأنك تنفذين بعيداً عني .
تضحكين .. تتكلمين .. تقطبين .. تعيشين لحظات لستُ فيها.

***
حبيبتي ..
عندما تأخر طيفك البارحة ضاقت علي الدنيا .. ظننت أني أوقدت ناري وجلست أنتظر العنقاء .. سألت أفلاك السموات عنه فلم تجبني .. كانت تحبس أنفاسها ترقباً لعنف اللقيا.. وعندما وصل .. فرّت من قواميسي الكلمات .
بك أتوسل إليك أن ترسلي طيفك الليلة باكراً .. أحتاجه كي تنقضي ليلتي هذه .

***
حبيبتي ..
هي ليلة وبعدها اللقاء .. فقولي لكل من يسأل .. غداً يعود حبيبي .

***

كنا زمان !!





[1]



الحنين الى الماضي يعده الاطباء النفسيون مرضا .. و يعترض عليه الحداثيون في الفن و التقدميون في السياسةلكن دعونا من حذلقة الأطباء و غرض الفنانين و تقعر الساسة .. فلننظر الى نفوسنا و ايامنا و ايام زمان






[2]



لا ليس زمااااااان شديد .. فلنرجع فقط بذكرياتنا الى زمن الطفولة



كيف كنا وكانت الدنيا



يقول الشاعر السوداني الموجوع من حاضره : شن خلاني قديرك يا اب هما فوق غيرك



يقول الابيات حسدا لطفل صغير يلعب لا يلوي على هم و لا يخشى عتب






[3]



حين كنا صغارا كان التلفزيون يبدأ الساعة السادسة مساء .. و كانت المسلسل اليومي تبث ثلاث مرات في الاسبوع .



حين كنا صغارا كانت جنة الاطفال اجمل شئ يمكن ان نتابعه .. و حين يغني المغني : يا جنة خلاص اتلمينا .. كنا نجري لنتلم سريعا



حنان الصغيرة تغني بضفيرتيها و هي تقف امام المايكرفون الكبيييير : انا بدري صحيت من نومي






[4]



كانت المواصلات ساهله .. بصات ابورجيله الصفراء و باصات المؤسسة العسكرية الخضراء و عربات التاكسي بنوعيها الطرحة بالخط الازرق و الاجرة بالخط الاخضر






[5]



في المدرسة كان المعلمون كائنات اسطورية لها مهابة .. و اذا ناداك الاستاذ باسمك فانت قد تخرق الارض او تبلغ الجبال طولا من الفخر






[6]



حين كنا صغارا كان كل كلب اسمه بوبي و كل طفل هو بيبي الى ان يثبت العكس.ايام زمان كان اي شخص يسلم عليك في اي مكان وكان الرد المعتمد من كل طوائف المجتمع هو : اتفضل .كانت الحياة اجمل ربما و ارغد حين يرسلونك لتحضر العيش كنت تعود محملا بكيس كبير متلئ تحمله على دراجتك و رائحة العيش السخنة تغريك بأن تقرضمتى شممت رائحة العيش السخنة الحلوة مؤخرا ؟






[7]



في الاعياد تحب ان تزور بيتا بعينه .. لسببين .. ابنتهم ذات الضفائر التي تبعث فيك شعورا حراقا .. و ايام زمان كن كل الفتيات لهن ضفائر قبل ان تتعلم بنات هذا الزمن الذهاب الى الكوافير من سن السابعة .. السبب الثاني هو حلاوة الماكنتوش بالعلبة الكبيرة التي يقدمونها .. هل كنت تحب القطعة ذات الورقة البنفسجية . انا عن نفسي كنت احب القطعة الصفراء الطويلة .. كنت ابحث عنها داخل العلبة بشغف



هل تذكر ان البيبسي كان اكبر ؟ و كان احلى ؟






[8]



ايام زمان كان في كل شارع كشك يسمى مكتبة .. و هو مكتبة فعلا لا يبيع فقط الجرائد .. بل تجد به الكتب المختلفة و المجلات و لا يتعامل فقط بنظام البيع بل عماد عمله هو الايجارهل تذكر هذه المكتبات التي كانت كلها تحمل اسم مكتبة كذا الثقافية ؟ و بها تجد مجلات ماجد و ميكي و سمير و سمر و قصص ارسين لوبين و عبير القديمة المطبوعة في قبرص و المغامرون الخمسة و القديس و شرلوك هولمزكنا نقرأ .. كل الكتب كانت مهترئة من كثرة التداول






[9]



ايام زمان كانت المدارس تكون الجمعيات الثقافيةهل كنت عضوا في جمعية الجغرافيا ؟ ام لعلك كنت عضوا في جمعية اللغة الانجليزيةهل تذكر الرحلات التي تقيمها الجمعيات ؟هل كنت تشارك في اعداد صحيفة الحائط الخاصة بجمعيتك او فصلك ؟






[10]






ماذ حدث ؟لنااو للدنيا



لقد اختلفت او اختلفنا لم تعد للاشياء نفس الطعم



ما عادت لها ذات حلاوة المذاقهل حمضت الاشياء ام سقم لسانا بالكبر ؟






***

دي ريم يا بابا

الحب مرض ..
فهو اختلال في العواطف تتبعة اضطرابات جسدية عديدة .. ليس ارتفاع معدل نبضات قلبك حين ترى ست الاسم باولها .. ولا اخرها انقباض معوي حين تتصل بها على موبايلها الساعة الواحدة صباحا لتبثها شوقك فتفجأك بت موبيتل أن عفوا الرقم الذي اتصلت به مشغول الأن الرجاء الانتظار لحظة او معاودة الاتصال لاحقا .. و هما خياران احلاهما مر .
هذا المرض قديم قدم الانسان .. موجود منذ ان كان البشر صنفين .. ذكر و أنثى .. قبل ان تتعدد الأنواع من رجال كالاناث و اناث كالرجال .. و مخلوقات اخرى بين بين .
و العرب سادة العشق و الحب .. و شعرهم مرجع لا مطلب بعده .. و كذا كتاب ابن حزم الاندلسي الظاهري طوق الحمامة . فان كنت من طلاب الهوى فعليك بهذا الكتاب .
و الوصال شفاء الحب .. و هذا الوصال خشم بيوت .فمن الوصال ذكرك الدائم للمحبوب .. فتكثر الحديث عنه بسبب و هو نادر و بدون سبب و هو الاغلب .
و يقول العرب من احب شئ اكثر ذكره . فتجد العاشق في مجلس غاص باصناف البشر يتحدثون عن مباراة هلال - مريخ او ارسنال - ليفر بول حسب التصنيف الطبقي للمتحدثين .. فيهب صاحبنا ذاكرا ان الكورة كانت سمحة رغم انو الهجمة الفلانية ما شافا لأنو لبنى ضربت ليو !! و تبدو هذه شتارة لبعض حسني النية ..السألو من لبنى منو هسه ؟ لكنها في الحقيقة احتيال للوصال بذكر اسم ست الاسم .
و من انواع الوصال تعمد المرور ببيت المحبوبة او مدرستها او جامعتها او محل عملها ..
كقول احمد بن عثمان الكاتب :
و اني ليرضيني الممر ببابها و اقنع منها بالشتيمة و الزجر
بالذمة دا كلام ؟
لكنك تجد العاشق و هو عائد من مكان عمله في الخرطوم العمارات الى منزله بام درمان الفتيحاب يتعمد المرور ببحري شمبات الحلة .. بحجة انو الشوارع زحمة شديد .. و ما به الا تقصد المرور ببيت المحبوبة فربما اسعده الحظ برؤيتها .. او يكتفي بان يعلق شوقه بباب بيتهم الازرق اللون الذي حبب اليه فريق الهلال و البحر و السماء و الجينز الازرق و عربات الدورية و ربما حبوب من زات اللون بعد زمن و زمن .
و التلاقي قمة الوصال .. و جرت سنة العشاق ان يكون الوصل ليلا .. منذ ان كان العاشق يستخفي ليحادث حبيبته في بيداء العرب .. و هي السنة التي عبرت عنها الجارية الكوفية بقولها :
لو كان حقا ما تقول لزرتنا ليلا اذا هجعت عيون الحسد
و في السودان قديما كان التلاقي يحتاج الى كثير احتيال تصوره لك الاغنيات السودانية كيوم افكاري حياري وضاعت باختياره و قلبي تاه في يوم الزيارة .. و هي زيارة المستشفى .. ثم من الله على العشاق ببيت الخياتة .. و درس العصر .. و الدراسة و العمل المختلطين .. قبل ان يأتيهم الفتح باختراع الموبايل .فعندما كانت الهواتف الثابتة هي احدى وسائل تحديد موعد اللقاء ( كانت من الوسائل وصايا الصديقات التي اثبت الزمن انها كانت تؤدي لغير الغرض المطلوب منها بدافع الحسد او الغيرة ) على زمن دار الهاتف كان العاشق يحتاج الى اكثر من محاولة للاتصال بفتاته ..
في المرة الاولى يرد عليه والدها فيسأله بتوتر : محمد موجود يا عم ؟
فيخبره العم ان محمد العندهم عمره اربعة اشهر و هو طبعا موجود لكنه لا يستطيع الرد على الهاتف .
و في المحاولة الثانية ترد الام ليزوغ صاحبنا سريعا بان يقول : دكان اولاد ملاح ؟ بالله دايرين شوال شعيرية .
فتخبره الام التي قلبها دليلها انو دكان اولاد ملاح في ام درمان و بالتأكيد اول ارقام تلفونهم خمسة بينما رقمهم في الخرطوم اوله سبعة كما ان الشعيرية لا تباع بالشوال .
المحاولة الثالثة قد تنجح فقط لتخبره فتاته انها الليلة معزومة خطوبة ابتسام بت خالتا و بالتالي حتجلي بيت الخياتة و ضمنيا المقابله المعتادة تحت عمود الكهرباء في اول الشارع .
اما على زماننا هذا فتكفي ضغطة زر واحده للاتصال السريع فيغني تلفون الفتاة : يااااه سحر عيونو و نظراتو .. و تشيل تلفونا تحت نظرات الاب المستغربة لتسرع للرد على حبيب القلب .و لما كانت الساعة الثانية عشر بعد منصف الليل و الاب من النوع الحمش القديم الذي يعتبر ان وجود البنت خارج البيت حتى الرابعة عصرا جريمة تقتضي اقامة الحد فانة يتسلل خلف الفتاه بهدوء و يرقب نظرة الهيام المرسومة على عينيها و هي توسوس في التلفون حتى يشك انها تسمع نفسها .. و يسألها و الهواجس تلعب في داخله : بتكلمي منو يا بت ؟ فتجيب البنت بشحتفة و طلوع روح : دي ريم صاحبتي يا بابا .
و هي ريم تعاني من زيادة في هرمونات الذكورة و عندها شنب و نوعها في شهادة الميلاد ذكر.
و ربما يلاحظ الاب ارتفاع ملحوظ في معدل مكالمات ريم مع ابنته مصحوب بوسوسة دائمة و سرحان غير مفهوم لديه .
حتى يفاجأ بابنته تبكي في يوم و حالتا كرب .. و حين يسأل عن السبب تقول له : ريم خلتني يا بابا .
و هنا يحتاج الاب الى اكثر من الدعاء ليثبت الله علقله حتى يفهما صاح .

هل أنت أخو أخوات ؟

انطبع المجتمع السوداني بطابع من البداوة و الفروسية يلذ لنا ان نعتبرها من مميزاتنا على كثير من الشعوب ..
و بغض النظر عن وجود هذه الصفات في غيرنا او اسباب وجودها فينا نحاول ان نناقش هنا هل لازالت تلك الصفات موجودة فينا ؟
افتتن السوادنيون زمانا بالعبادي و طه و دكين و غيرهم من الهمباتة و الفرسان ..
و هي ثقافة تنبيك عن تجزر الفكر الجنجويدي .. و هي شئ كصعاليك العرب .
.المدائن كانت تعشق اوصافا كاخو البنات و مقنع الكاشفات و دراج العاطلة ..
و حتى اليوم يرقص العريس و هو يهز طربا و مغنية مستأجرة تقول له : فرتاق الصفوف .. مقنع بنات العم ..
بينما صاحبنا لا يستطيع ان يفرتق صف في كبسيبة حافلة و ينتظر امجاد فاضية عشان يركب من غير ما يبشتن الشكة ، و لا يعير بنات عمة التفاتا بدليل انو العروس شافا في شريط عرس عند واحد صاحبو .
.لكن السؤال هنا ..هل انت اخو اخوات و مقنع كاشفات و دراج عاطلة ؟
ان تكون اخو اخوات يعني ان تتنازل عن مقعدك في الحافلة لاي بت ظريفة تركب شماعة .. لكن قد تكون في مواصلات الكلاكلة اللفة و هي هايس صغيرة لا تتسع لك جالسا فكيف تستطيع الوقوف ؟ هنا يحتم عليك الموقف اما ان تنزل في نص الدرب بعد ان دفعت الف جنية من لحمك الحي و تنتظر فرج الله او تتكرفس في وضع تشريحي لا هو بالوقوف و لا الجلوس ..
طبعا نظرية اخو الاخوات لا تسمح لك ان تعمل ظريف و تعصر ربع سنتمتر و تقول ليها اتفضلي هنا يا اخت ، النفوس لو اتطايبت الكرسي يشيل سبعة .. هذا اصطياد في الموية العكرة و النفوس لو تخابثت برضو الكرسي بشيل سبعة .
.ان تكون مقنع للكاشفات امر صعب جدا .. ادخل اي حفلة عامة او خاصة .. لن تستطيع ان تقنع اي من الكاشفات لاسباب اولها عدم استطاعتك توفير كل هذه الكمية من القماش لزوم التقنيع ..حتى لو كنت ملك تجار اقمشة الجملة بالسوق الافرنجي ..
و لو فرضنا توفر القماش ..من اين تقنع ؟ من الظهور ام البطون ام الارجل ؟
لو شالتك الشلاقة و تقدمت تقنع واحده كاشفة عن مساحات لا محدودة من ظهرسراميكي المظهر موحي بالزحلقانية و صدر تغطيه ذرات براقة تلمع فجأة مع انعكاس الضوء كهزر العربية مما يجذب مزيدا من الانظار المندهشه و المشدوهة و الراغبة و الفضولية ففوجئت انها العروس شخصيا و ان هذا الفستان جابو العريس باختيار امها و ابوها من دبي .. ماذا ستفعل ؟ اكيد حتسأل ببرأه يا جماعة دا مش عرس مزمل ؟ فيقولو ليك ابدا دا عرس خالد .. فتعتذر بانو اتلخبتت عليك الحفلات و تتملص براااااااحة ..
دراج العاطلة مرحلة اصعب من سابقتيها .. العاطلة في الفلكلور السوداني و العربي امرأة مميزه ..
المرأه الكسول التي لا تخرج من بيتها و لا تقضي لنفسها حاجه لانها منعمه .. يعني في زمنا دا خملة و مفلسة ..
ان تدرج مثل هذه المرأة يعني انك تكون مارق ماشي الشغل الصباح فتناديك من شباك الأوضة القصيرة المقابل الشارع .. عليك الله يا هناي من سهى بت الاتصالات دي حول لي 3 الف عشان دايرة اعمل مسكول لكمال ..
و لأنك دراج العاطلة ينبغي ان تغير طريقك لتغشى سهي التي هي ليست عاطلة باعتبار انها تعمل في محل اتصالات و يوميتا احسن من الخلفوك و تحول 3 الف لجارتكم العاطلة عشان تعمل مس كول لكمال الذي هو دراج عواطل و مدرر عواطف و ربما مدر بول ايضا .. لكن سهى تصطادك بعطل اخر .. فهي لا تملك باقي الـ5 الف الاديتا ليها .. و قبل ان تقترح عليها ان تحول ليك الالفين جنية في تلفونك تقول لك بنعومة عليك الله يا هناي خلاص خليها عشان انا دايرة لي كريم .. و ترفع عينيك لتنظر لصف الكريمات المرصوص في الفترينة و تنطق بنعم عرجاء .
لكن العاطلة قد تكون اصعب من كل هذا ايضا .. فقد تكون العاطلة امرأة من الزمن الاسطوري زمن الشحم دا و اللحم دا .. و تفترش الارض في راس شارعكم .. و ما ان تراك حتى تهش و تبش و تقول لك يا يمة تتبارك انت .. بركة الله الجابك لي انت مش ود سعاد ؟ فتجيبها انك ولد عواطف .. فتقول ايوه عواطف مرة عبد المنعم .. فتقول لها ان ابوك ابراهيم .. فتقول ياهو انا بس الكبر بقى ينسيني .. ثم تطلب منك طلبا ينسيك امك و ابوك و خطيبتك .. ممكن تقومني يا ولدي ؟ الله ينعل الريطوبة ( لابد ان تضيف الياء لتحسسك بالانكسار و الحوجه و العطالة ) .. هنا تكتشف انك اضعت زمنك في المدارس و زحزيح الكنب و لو انفقت وقتك في مركز شباب ام درمان لاستطعت ان تؤدي هذه المهمة .. و بعد محاولة او اثنتين تجد نفسك مضطرا للاعتراف ان هذه المرأة لا يقيمها من مكانها الا شيئين .. كرين من كرينات العربات .. او شمار حااااااار ..
فتلجأ للحل الثاني لأن الأول مكلف ماديا و لازال دريج عطالة سهى ينتح في جيبك .. فتقول ببرأه .. شفتي يا خالة ، منيرة ما طقشتا العربية و وقعت في البلاعة عضاها الكلب المدسي جوه .. فتنسى المرأة الريطوبة و تنهض عجلة الى هذا الشمار الحار.
لكنك تنسى انها ستذيع لكل الحلة انو اولاد الزمن دا اولاد اليابا قلت ليهو قومني غلبو .. ولاد مايعين ما فيهم حيل .. و ربما تبع ذلك اشانة سمعة حساسة حين تنظر المتحدثة الى اقرب الفتيات اليافعات و تقول لها : الزي ديل اوعك تقعي فيهم .. حيل ما عندهم .. اسبوع و يقول ليك انا جايي من المكتب حيلي مهدود .
بعد كل هذا هل تستطيع ان تجيب .. هل انت اخو اخوات و مقنع كاشفات و دراج عاطلة ؟

سجمي إنت لسه حي !!


[1]
الرجل الظريف الذي يندر أن يجود الزمان بمثله الدكتور عوض دكام رحمه الله كان يبحث عن منزل أحد معارفه بحي الامتداد .. فطرق احد الأبواب ليسأل .. فإذا بالبيت هو بيت الرئيس السابق الفريق إبراهيم عبود رحمه الله .. و إذا بالرئيس يفتح الباب بنفسه ..
فزع الدكتور دكام و قال لعبود بدهشة : " سجمي هو انت لسه حي ؟؟ ".

[2]
يبحث الحكام دوماً عن وسيلة للخلود في ذاكرة أوطانهم .. فيعبدون الطرق أو ينشئون المصانع الضخمة طلباً لهذا الخلود .. بعضهم يختصر الطريق عالماً أن الخلود في ذاكرة الشعب بصفة يرحمه الله صعبة فيستسهل الخلود بصفة لعنة الله .. و كله لدى الحكام خلود.
أما الشعب فانه يعبر للحكام عن رأيه بعدة طرق.
في بعض البلدان يستخدمون مراكز قياس اتجاه الرأي العام .. و يلجئون الى الاقتراع و الاستفتاء .. بل انه – تخيل هذا – لديهم أمراً يسمى الانتخابات حيث يحق للشعب أن يختار الرئيس أو غيره ليحكمهم .. بل إنهم يجبرون الرئيس على التنحي بعد فترة زمنية معينة. عجائب العالم لا تنتهي .
لكن الطريقة الأدق لقياس الرأي العام غالبا هي النكتة. بل إن بعض الدول لديها مراكز متخصصة لجمع النكات و تحليلها لمعرفة رأي الشعب الصادق.
فان كانت الحكمة قد قالت للشعوب أنه " كما تكونوا يولى عليكم " .. فإن الحكام عليهم أن يذكروا انه " كما تكونوا يُنَكّت عليكم ".

[3]
النكتة السياسية صادقة لا تكذب. إنها التعبير الشعبي العفوي الذي لا يجامل . هي انجح وسيلة استفتاء سياسي للحكام.
مضحكة هي لكنها أيضا موجعة .. تريح قائلها لكنها تقتل من قيلت فيه.
النكتة السياسية كما قيل عنها هي اخطر سلاح يرفعه البسطاء في وجه السلطة و هي رسالة الشعوب المشفرة الى حكامهم.
يستطيع الحاكم أن يمنع التظاهر .. أن يحظر الندوات .. أن يشنق المعارضين .. أن يزور الانتخابات .. لكنه لا يستطيع أبدا أن يزور النكتة أو يشنقها أو يحظرها أو يمنعها.
ربما لهذا اختار احمد مطر الشاعر و المعارض العراقي طريق النكتة الشعرية ليوجع بها الحكام. ففوق سلاح الشعر صنع لنفسه سلاحاً إضافيا من النكتة .
إن الحاكم الذي يصادر النكتة هو حاكم عبقري يستحق أن يستبد بشعبه ما شاء.


[4]
من أقدم من قال النكتة السياسية هو جحا .. و في التاريخ أكثر من جحا .. و كلهم كان ساخرا يطلق سهامه الساخرة على الحكام فيضحك منها الشعب.
و يروي التاريخ عن جحا التركي أن تيمورلنك قال له إن خلفاء العباسيين في بغداد يسمون أنفسهم المعتصم بالله و المنتصر بالله فماذا يسمي هو نفسه ليتشبه بهم ؟
قال جحا: سم نفسك أعوذ بالله.

[5]
اشتهر المصريون خصوصاً بالنكت السياسية .. حتى قيل أن عبد الناصر بعد هزيمة 1967م التي نسميها نكسة لأسباب مجهولة كأنها ما كانت حرباً بل تدريباً عسكريا متواضعاً فأخفق .. عقب هذه الهزيمة/النكسة طالب عبد الناصر المصريين بكف سلاح النكتة قليلاً.
لقد أوجع المصريون فرعونهم فاضطر أن يلجأ إليهم بالرجاء بدلا من أن يرسل صلاح نصر ليشنق قائل النكتة.
في أيام الاحتلال البريطاني لمصر كان هناك مقهى اسمه المضحكخانه ..و هو اسم تركي كما تلاحظ مثله مثل الشفخانه أو غيرها من الخانة أكرمكم الله من غيرها هذه. و معناه بيت الضحك.
كان الأدباء يجتمعون في هذا المقهى و يتبارون في إطلاق النكت على الانجليز و السرايا و الملك. و كان الناس يقصدون المقهى من كل أطراف مصر لسماع هذه النكات و كان البوليس يداهم المكان ليلقي القبض على قائل نكتة معينة أحياناً .
بعد أن زال الاحتلال و أصبح سلاح النكتة يستعمل ضد آخرين تمت إزالة المقهى و يشغل مكانه الآن إدارة الأمن العام بباب الخلق. و لله في خلقه شؤون.
يقول الكاتب المسرحي علي سالم .. و هو مؤلف المسرحية الأشهر مدرسة المشاغبين قنبلة الضحك المصرية التي غيرت اتجاه المسرح الكوميدي في مصر .. يقول : إن النكتة السياسية في مصر حالة أدبية فريدة من نوعها، لا أحد يعرف من أين تأتي، ويقول: "النكتة بشكل عام سواء السياسية أو غير السياسية هي عمل درامي مستقل بذاته، وهو عمل له تركيبة أدبية مضغوطة ومكثفة".
طبعاً يحاول بعض الباحثين المصريين إرجاع تاريخ النكتة السياسية الى العهد الفرعوني و هي محاولة مفهومة إذا عرفنا أن بعضهم يدعي أن أصل التوحيد هو الديانات الفرعونية .. و أن بنو عبد مناف من مدينة منف المصرية .. و أن القوانين أصلها فرعوني .. و نظم الحكم أصلها فرعوني .. بل كتب احدهم بحثا تاريخيا في مجلة روز اليوسف من قبل يقول أن شخصيات الرسوم المتحركة توم و جيري (Tom and Gerry) مأخوذة من البرديات الفرعونية .. و لا ننسى ما يحكى عن نموذج عصفور فرعوني محفوظ في المتحف المصري قيل أن نيل ارمسترونج و رفاقه عندما رأوه تنبهوا أنه يشبه الطائرة و بعد فحصه ثبت أنه مصنوع بدقة الطائرات !!
يخيل لي حين استحضر هذه الادعاءات أن الكاتب المصري الفرعوني بتمثاله الشهير لم يكن يستعمل أوراق البردي للكتابة بل كان يكتب على برنامج ويرد 5000 ق.م.(Word 5000 B.C.).


[6]
تمتاز النكت السياسية بالمرونة و القابلية للتطوير و التحويل . فكم من نكتة قيلت في رئيس انتقلت الى الرئيس الذي يليه. و هذا لا يدل على فقر في الإبداع لدى المخيلة الشعبية بقدر ما يدل على مقدرة هذه المخيلة على التقاط التشابه أو التطابق بين الرؤساء المختلفين.
إن لم يكن ذلك صحيحا فقل لي بربك كيف يطلق الشعب الامريكي نكتة على الرئيس جون كيندي عام 1961 ثم يكرر ذات النكتة عن الرئيس بيل كلينتون عام 1999 ؟
تقول النكتة أن الرئيس (كيندي/كلينتون) دخل محطة بنزين برفقة زوجته (جاكلين/هيلاري) فنظرت الزوجة الى عامل المحطة و قالت : لقد كنت أواعد هذا الرجل في المدرسة الثانوية و كان من المفروض أن نتزوج . فقال لها الرئيس ضاحكاً : لو حدث هذا لكنت الآن زوجة لعامل في محطة وقود. لكن الزوجة قالت في هدوء : لو حدث هذا يا عزيزي لكان هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.


[7]
و بعض النكات تنتقل من بلد الى بلد و يدعيها كل شعب لرئيسة بكل فخر ..
تقول إحدى النكات أن رئيس الدولة غضب لأسباب ما على السياسة السعودية فقرر مقاطعة المملكة العربية السعودية .. لكن أحد الوزراء نبهه الى أن الحجيج من بلده لا يمكن منعهم عن السعودية .. فقرر الرئيس أن يكون الحج في بلاده بدلاً عن السعودية .. بعد أسبوع جاءه احد الوزراء يعلن له أنهم نجحوا و اعدوا كل شئ و أن الترتيبات تمت لإقامة موسم الحج في بلدهم بدلا عن السعودية ..أحب الرئيس المتشكك أن يتأكد من ذلك فسأل عن المبيت بمنى فقيل له سيبيتون في الساحة الفلاني .. سأل عن الصفا و المروة فقيل له سيسعون بين النقطة الفلانية و النقطة الفلانية .. أخيرا بعد أن تأكد من كل شئ سأل عن رمي الجمرات و رجم إبليس .. ابتسم الوزير و قال في رجاء : اتعب معانا شويه سعادتك.
هذه النكتة تتكرر في أكثر من دولة عربية يتغير فيها اسم الرئيس و الوزير و الأماكن لكن التفاصيل تبقى هي ذاتها.
إنها إدانة شاملة لكل الحكام من شعوبهم.

[8]
خذ عندك نكتة مثل التي تقول أن القائد العسكري قال للمجند : حين يمر الرئيس قم بإطلاق 21 طلقة .. فقال المجند : و إذا أصبته من أول طلقة هل أتوقف ام استمر يا سيدي ؟
هذه النكتة لا تتقيد بحدث بل هي تعبير عام عن السخط و الرغبة في الإقصاء.
في مصر الملكية هوجم نجيب محفوظ لأنه كتب رواية فرعونية عن ملك عابث يقتله الشعب بسهم في صدره .. و اعتبرت الرواية تحريضا ضد الملك فاروق ملك مصر و السودان الذي اعترف أتباعه بالتشابه حين قالوا إن المقصود بالرواية هو الملك فاروق لأن الشعب يسميه الملك العابث تماما مثل الفرعون في رواية محفوظ.
بعض النكات تحمل ذات الرغبة القوية في التخلص من الحاكم لذلك تتحدث عن موت الحكام و حاسبهم يوم القيامة.
لكن بعض النكات توضح أن الحكام حتى عند آخر رمق يحرصون على الظلم الذي كانوا يمارسونه.
تقول النكتة أن رئيسا يُحتضر اخذ يوصي وزرائه : أوصيكم بالحكومة. فيقولون : الحكومة في أمان يا ريس. فيقول : أوصيكم بالبلد. فيقولون : البلد في عيوننا يا ريس. ثم قال : أوصيكم بالشعب. فقالوا له : شعبك قوي يأكل الزلط. فرفع الرئيس رأسه و قال : توكيل الزلط أعطوه ابني (... ).
وضعت النقاط حرصاً على علاقات السودان بدول الجوار .. يمكنك أن تقوم أنت بملئها عزيزي القارئ و تتحمل المسؤولية كاملة.

[9]
و تعبر النكات السياسية عن حالة الاحتقان لدى الشعب بخفة دم لاذعة.
تقول النكتة أن الرئيس قيل له ألن تلقي كلمة الوداع على الشعب قبل الانتخابات ؟ فسأل الرئيس بدهشة : ليه ؟ الشعب ماشي وين ؟
أما الفساد فيمد له الشعب لسانه ساخرا منه ليذكره أنه يعرفه و أنه مكشوف له ..
تقول النكتة أن احد الوزراء العرب زار صديقه الوزير البريطاني فاستضافه على الغذاء عندما وصل بيته وجد أن البيت قصرا فخما له حدائق و طوابق عديدة فقال له كيف بنيت هذا القصر الفخم ؟ ضحك الوزير البريطاني و أشار من النافذة الى جسر ضخم و قال للوزير العربي هل ترى هذا الجسر ؟ قال الوزير العربي نعم. قال له إن تكلفته الفعلية 100 مليون إسترليني و نفذتاه بـ 90مليون فقط و أخذت أنا الفرق.بعد أيام قام الوزير البريطاني بزيارة صديقه الوزير العربي فوجده يعيش في قصر أفخم من قصره و أكبر منه بمراحل فانبهر الوزير البريطاني وسأله كيف بنيت قصرا كهذا ؟ ضحك الوزير العربي و أشار من النافذة قائلا هل ترى هذا الجسر ؟ نظر الوزير البريطاني و قال : لا يوجد أي جسر هنا !!!فقال له الوزير العربي : هذا تكلفته 100 مليون دولار فقط و أخذت أنا الفرق.

[10]
ينسى الحكام الذين يحصلون على نتائج 99.9% في الانتخابات أن الشعب قد حكم عليهم بالتنحي بدون انتخابات مزورة أو خاضعة للضغوط.
تقول النكتة أن احد الرؤساء في طائرته الرئاسية قال لمرافقيه : أريد أن اسعد شعبي فماذا افعل ؟
فقال له وزير: القي بـ5000 دولار من النافذة و ستسعد خمسة أسر يا سيدي. اندفع وزير أخر يقول: القي بـ1000 دولار من النافذة و ستسعد عشرة أسر يا سيدي. فالتفت إليهم الطيار و قال مخاطباً الرئيس: القي بنفسك من النافذة و ستسعد الشعب كله يا سيدي.

[11]
في السودان انتشرت النكتة السياسية في أيام الرئيس الأسبق جعفر نميري انتشارا غير مسبوق حتى قيل أن السادات سخر من الشعب السوداني حين علم أنهم أصبحوا يطلقون النكات على الحكومة فقال : يبقوا جاعوا .
الجوع جعل الناس تقول أن رجلاً ذهب الى صف العيش فلم يجد فسب قائلاً : لعنك الله يا عباس.ثم ذهب الى صف الغاز فلم يجد فسب قائلاً: لعنك الله يا عباس. ثم ذهب الى صف البنزين فلم يجد فسب قائلاً:لعنك الله يا عباس. فألقت الشرطة القبض عليه و قُدم الى محاكمة فاصدر القاضي أمره بحبسه سنة. سأل المواطن في دهشة عن سبب الحكم فقال القاضي في حسم: لأنك لا تعرف اسم الريس.
نميري كان يسمع هذه النكات و يضحك حتى دخلت النكات القصر في غيبته لدى الأمريكان. أظنه لم يضحك منها بعد ذلك.

[12]
لا أعجب لبقاء الحكام على قيد الحياة بعد أن يفارقوا الحكم .. لكني أعجب أنهم يبقون على قيد الحياة بعد أن يطلق الشعب عليهم نكاته ..
و أعجب ألف مرة من الحكام الذين تتجاهلهم المخيلة الشعبية فلا تخلدهم حتى بنكتة .. الحكام الذين لا يقول الشعب فيهم كلمته هم حكام لم يوجدوا قط .. مهما فعلوا.
لذلك هم لا يموتون .. فالمعدوم لا يموت.


***


عندما هاجرت الداية


الطقوس الاحتفائية – التي تصل حد المبالغة – في تعامل قرية " كلّرو" مع السفر لم يهتم بها أحد في ذلك اليوم .. طقوس الوداع التي تبدأ بمنزل المُسافر ليلاً ثم تتواصل صباحاً عند البص ، ومن ثم العودة إلى منزل المسافر مرة أخري ليقال لأهله "يكتب سلامتو" ، ثم مرة أخرى بعد أن يرد الاتصال الهاتفي مؤكداً وصوله سالماً إلى حيث يقصد ليحمدوا " خبر الخير " ، كل هذا لم يعبأ به أحد هذه المرة ..
الجميع بدا منشغلاً غير متفرغ لمتابعة الحدث في فجر ذلك الخميس .. حتى الذين تصادف وجودهم – لسبب أو آخر – أمام دكان مصطفى حيث يقف البص لم يولوا الحدث اهتماماً كافياً .. في ما بعد عندما يتذكر مصطفي ذلك اليوم سيقول بتعجب " لم نر في ذلك أمراً يثير الاهتمام .. الحقيقة أنه كان مدعاة لسخرية بعضنا أكثر من أي شيء آخر" ..
بعض الذين وجدوا في الدكان ذلك الصباح لم يتذكروا ما حدث .. أنكر كثير منهم أن تكون عرضو قاسي قد سافرت .. السفر الذي لم يكن مفاجئاً بحال من الأحوال مرّ دون أي إهتمام من القرية .. عرضو قاسي كانت قد أعلنت عزمها على السفر منذ أكثر من أسبوع .. شاهدها كثيرون تحزم حاجياتها وتوصي جاراتها ، لكن أحداًًًً لم يبد اهتماماً بما تفعله .. التجاهل التام والاستخفاف كانا رد الفعل على إعلان عرضو قاسي أنها ستهجر القرية إلى الخرطوم ..
قنديل الفريق التي كانت أقرب الناس إلى عرضو قاسي أوضحت فيما بعد ما خفي على كثيرين .. " ابنها جمال أرسل إليها لتلحق به .. قال أنه ابتنى داراً واسعة لا ينقصها إلا حضورها .. رفضت عرضو قاسي في البداية ، لكنه أصر .. أكثر من الخـطابات والوعود ، ثم أعقبها بالتهديد و الوعيد مما اضطرها للرضوخ " .
هذا التوضيح لفت الانتباه إلى أمر آخر .. هل كان لعرضو قاسي ابن اسمه جمال ؟
البعض شرد يتذكر وغرق كثيرون في الماضي .. بعضهم أعلن عجزه عن التذكر ، بينما تذكّر آخرون أن عرضو ولدت من زواج قصير طفلاً لا يذكر أحد مصيره بدقة ..
لكن الخبر اليقين كان عند منصور .. " جمال عبد الفارس كان معنا حتى المدرسة الوسطى .. كان يجلس بجواري.. صوته في الغناء لا يُجارى .. تسمعه فتحسبه النعام آدم .. كان أسوداً .. كأنه قلب الكافر .. حتى أسنانه كانت سوداء نخرة من كثرة التدخين .. أما عيناه فكانتا صفراويتين كثمرة مانجو ناضجة " .


هذا التأكيد الذي بعث ذكريات قديمة مهتزة كأنها التهاويم في الأذهان لفت الانتباه إلى أمر آخر بدا غريباً .. عرضو قاسي رغم المكانة التي تحتلها في القرية والأهمية التي تسيطر بها على الأحداث من حين لأخر كانت تقبع في منطقة وسيطة بين الحضور والنسيان في أذهان الجميع .. والآن وقد سافرت لا يستطيع أحد أن يجزم بدقة أنها وجدت في القرية إلا من خلال الأحداث – وما أكثرها – التي ارتبطت بها .. لكن شخصها ككيان عاشر الناس وعاش معهم كان مهتزاً متموجاً في الذاكرة وخاضعاً لكثير من الاحتمالات والأقاويل غير المؤكدة .. ما يذكره الجميع عنها بخلاف اسمها ومهنتها ، كان لونها الأسود وأصلها الذي لا خلاف عليه .. أما غير ذلك فقد اختلفوا فيه أشد الاختلاف .
مصطفي بحكم تعامله اليومي معها بصفته صاحب الدكان الوحيد في القرية كان يؤكد أنها لم تكن بالطيبة التي يزعمها البعض .. " كانت تجادل في ديونها .. كثيراً ما كانت تنكر حسابها في الدكان وتزعم أنني أستغل كبر سنها لأشوش على ذاكرتها بذكر أشياء لم تأخذها " ..
" دعت علي بالخراب أكثر من مرّة .. وحلفت بأغلظ الأيمان أنها لن تشتري مني مرّة أخرى .. لكنها إن لم تشتر مني فمن أين تأتي بالسكر ؟ "
فيما بعد .. وعندما وقعت الأحداث تذكر عمر شيخ المسجد أنها استفته مرة أو مرتين في بعض أمور الدين .
حاج محمد الحسن في أثناء المحنة تذكر أموراً كانت تحدث في زمن بعيد .. سرح محاولاً استحضارها لكن الحياء غلب على لسانه فلم ينطق بها .
بعد كثير من الجهد أجاب الذين يسألون عن تاريخ عرضو "رحم الله الشباب ونزقه .. يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبدى لكم .. "
أما قنديل الفريق فظلّت على إصرارها أن عرضو كانت النعمة التي لم تشكرها القرية فزالت عنها .
الأحداث التي وقعت بعد سفر عرضو قاسي أكدت أن القرية لن تستطيع أن تنظر إلى هذا السفر بذات النظرة الأولى التي عبّر عنها مصطفي مستخفاً بقوله " سفر البن .. دق وحريق " .
عرضو قاسي الأمة السوداء القصيرة التي لا يُعرف لها أب على وجه التحديد على عادة الإماء في الشمال وإنما كانت تنسب إلى أمها كايداهم كانت القابلة الوحيدة في القرية .. وضعها في القرية كان تجاذباً بين أصلها كخادم بقيت بلا أسياد بعد انتهاء عهد الرق ومهنتها كداية شبه رسمية .


لا يذكر أحد على وجه التحديد متى بدأت عرضو عملها كداية .
حاج إبراهيم سالينتود يؤكد أن عرضو كانت تمارس التوليد منذ وعي علي هذه الدنيا ..
في أحيان أخرى يقسم أنها من ولّدت أمه عندما حملت به .. لكن هذا القول ربما حمل الكثير من المبالغة لأن إبراهيم سالينتود كان قد شهد أكثر من سبعين موسماً لحصاد البلح..
عندما تزوجت عبد الفارس – من هو عبد الفارس ؟ لا أحد يذكر – هل كانت داية ؟ ما أكده منصور أن أحد أسباب هجرة جمال عبد الفارس للقرية كان سخرية بعض الشباب منه في حفل زواج عندما تحفّز للبطان وكشف عن ظهر أسود عريض كجزع شجرة لبخ محترقة بقولهم " العبد ابن الداية لن يصبر على السوط " .
بعد كثير من الجهد والتقصي واستبعاد الروايات المبالغة يمكن القول أن عرضو كانت داية القرية منذ أربعة وثلاثين عاماً .. أما ما قبل ذلك فهو أمر يخضع للاحتمالات ولكثير من التكهنات والروايات غير الموثوق بها .. عرضو كانت هي من ولّدت فاطمة بنت العمدة أحمد بابنها منصور .. فاطمة لم تنس أبداً أن عرضو حملت منصور بين يديها وهو بعد لحمة حمراء لم تستبن لها ملامح وقالت " وجه مشرق لصبي مظفّر منصور " تفاؤل فاطمة بكلمات عرضو كانت السبب في تسمية منصور بهذا الاسم ، ومنصور يعرف جيداً أن له من العمر أربعة وثلاثين عاماً .


النظر إلى سفر عرضو قاسي باعتباره " سفر البن " كان سببه هذا الحضور غير المحدد في الأذهان .. لم تكن عرضو تظهر على سطح الاهتمام إلا عند اقتراب ولادة إحدى النساء .. هذه الولادة التي تحدث كل شهرين أو ثلاثة كانت تجعل عرضو إحدى أهم شخصيات القرية ، بل لعل الاهتمام بها يفوق الاهتمام بالمرأة الحامل .. مع دخول الحمل شهره الأخير كانت عرضو هي من يحدد متى ستلد المرأة والأغراض الضرورية لعملية الولادة .. وكانت تسمي احتياجات الحامل لأن " الولادة معجزة شاقة يختلف تأثيرها على الجسم من امرأة الأخرى " كما كانت تقول .. ما يتبع ذلك كان تأكد أهل الحامل كل صباح أن عرضو موجودة بالقرية لم تغادرها لسبب أو آخر .. ويستدعي هذا توفير احتياجاتها من الطعام والشاي و الصعوط الذي تدمنه .. يقول حاج إبراهيم سالينتود " لا أحد يحب أن تلد امرأته فجأة بينما عرضو غائبة تبحث عن الصعوط في مكان ما" .
كل هذا الاهتمام مرده الأول إلى مهارة عرضو في التوليد ، بجانب أنها – وهذا سبب كاف وحده – كانت القابلة الوحيدة في المنطقة .. أضف إلى ذلك مقدرة عرضو الغريبة على التنبؤ بنوع المولود قبل وقت طويل من ولادته .. وكانت تستدل على ذلك بأشياء غريبة كاسوداد حلمة الثدي وحشرجة الصوت ومخالطة النفَس له .. سبب أخر لم يكن يُذكر علناً لكنه كان يجعل عرضو محل شكر كثير من الرجال وتقديرهم .. ذلك كان مقدرتها على معالجة أمور معينة دقيقة بعد الولادة ، دفعت محمد أحمد صديق لمداعبتها مرة أمام جماعة من الناس باسم " عرضو قاسي عين الديك " في إشارة واضحة إلى مدى نجاح العملية الدقيقة التي تتطوع بإجرائها على الحامل لتعيد الأوضاع إلى خطأها الأول .. أما حاج إبراهيم سالينتود فقال في اليوم التالي لانقضاء فترة نفاس امرأته " صدق الله العظيم .. قاصرات الطرف لم يطمسهن إنس قبلهم ولا جان " ثم ضحك .
عرضو رغم ذلك كانت تتراجع عن دائرة الاهتمام لتغوص في أوحال النسيان بمجرد أن تتم الولادة .. قنديل الفريق قالت " ذكرها الله بالخير .. كانوا ينسونها بعد أن تضع الحامل حملها .. حتى أن بعضهم – ولا داع للأسماء – كان ينسى أن يشكرها على جهدها الذي بذلت .. بل بلغ الأمر ببعضهم – والمريب يكاد يقول خذوني – أنه نسي أن ينقدها أجرها أكثر من مرّة "


تاريخ عرضو قاسي الطويل في القرية والذي يتناوشه النسيان ويعترضه عدم الاهتمام ظهر على السطح مع بداية المشاكل .. صحيح أن الجميع نظروا إلى سفرها على أنه " سفر البن " في أول الأمر ، ولم يكلف أحد نفسه عناء وداعها عند البص كما جرت عادة القرية .. وصحيح أن الأمور سارت على ما يرام لمدة شهر أو يزيد بعد سفرها حتى أوشك كثيرون أن ينسوا أنها وجدت في هذه القرية ذات يوم ، لكن من زعم أن الأمور تبقى كما هي دوماً ؟
بدأت المشكلة بوفاة سعيدة زوجة محمد أحمد صديق .
سعيدة ذات الأعوام الثلاثين كانت تضع مولودها الخامس عندما توفيت .. ما أكدته فاطمة ابنة العمدة أحمد وغيرها من العجائز أنهن وقفن عاجزات أمام ألآم سعيدة والدماء القانية التي كانت تسيل على الفراش .. خديجة والدتها كانت تصرخ عليها والدموع تملأ وجهها " اضغطي .. الفرج قريب .. اضغطي " .
الصبية – كما تدعوها فاطمة بنت العمدة – لم تتحمل الضغط والألم وأشياء أخرى يجهلها الجميع .. فماتت .
فتحت عينيها و نظرت إلى المجهول و هتفت بوهن " وووب عليَ يا يمة " .. ثم صمتت إلى الأبد .
تقول فاطمة " لن أنسى أبداً رأس الوليد الذي ظهر عندما فاضت روحها .. كان أبيضاً جميل الملامح لكن قناع الموت البارد غطى وجهه سريعاً " .
الذين بكوا سعيدة وتناقلوا حكاية وفاتها وهي تضع مولودها ، وقصة الجنازة التي كُفّنت ورأس طفل يبرز من أسفلها لم يتلمسوا الأبعاد الحقيقية للمشكلة إلا بعد حين .. الحقيقة أن القطرة الأولى من المطر لا تدل على السيول .. لكن القطرة الثانية تكون مثيرة للاهتمام .. بعد أسبوع توفيت بلقيس ابنة فاطمة بنت العمدة أحمد وهي تلد .. قنديل الفريق أكدت أن سبب الوفاة هو أنهم انتزعوا الطفل من أحشائها بقوة .. " لا يدري أحدهم ما أحدثوا بداخلها .. لكنهم عندما جذبوا الطفل بقوة كأنه عمود بابور إنجليزي ينزع من مكانه سال الدم الذي لم يوقفه إلا الموت " .
هنا كان للكثيرين الحق في أن يتساءلوا " هل كانت هذه الوفيات ستحدث لو أشرفت عرضو قاسي على الولادة ؟! "
مصطفي – مدفوعاً بفضوله القوي – سأل حاج محمد الحسن أكبر المعمرين في القرية عن وفيات حدثت أثناء الولادة من قبل، لكن حاج محمد الحسن أكد أن هذا لم يحدث منذ كانت له ذاكرة .. هل كان ذلك كافياً لإدراك أبعاد المشكلة التي تواجه قرية كلّرو؟! يمكننا الجزم أن وفاة صفية الماحي بعد يومين وما تلاها من أحداث كان هو ما وضع القرية أمام مشكلتها وجهاً لوجه .
وفاة صفية الماحي – التي حدثت أثناء الولادة أيضاً – وقعت قبل أيام من الموعد المحدد لزواج سمية شقيقة مصطفي من عبد الرحيم التوم .. القرار الذي اتخذته سمية كان بداية إدراك القرية لمحنتها .. سمية أصرّت على تأجيل زواجها إلى أجل غير مسمى .. السبب الذي ذكرته لم يجل ببال أحد من قبل لكنها بذكره نبهت الكثيرين إلى حقيقة غابت عن بالهم .
قالت سمية " لست مستعدة للزواج الآن لأموت بعد عام وأنا أضع طفلاً لن يخرج للحياة .. إذا لم تقدم لي الضمانات الكافية عن من سيقوم بتوليدي فإني غير مستعدة للمخاطرة بحياتي " ..
حاج إبراهيم سالينتود الذي اعتبر هذا الكلام دليلاً بيناً على فساد الزمان وخراب أخلاق الفتيات إذ يتحدثن في أمور مشينة كهذه علناً وجد نفسه مضطراً للاعتراف بأن " هذه الفتاة بعيدة النظر حقاً " .
أما عندما سرت الشائعات أن منصور طلّق زوجته لأنها منعته نفسها لذات السبب الذي ذكرته سمية فإن القوم أدركوا أن الأمر حقاً جد خطير .
المشاكل التي انتشرت في البيوت انتشار ظلمة ليلة شتوية لم يتطوع أحد ببحثها علناً لكن آثارها كانت ظاهرة .. ما بدا كهجرة محمومة للنساء من بيوت أزواجهن إلى بيوت الآباء وما صاحب ذلك من وجوم على وجوه كثير من الرجال كان يخبر يصدق عن حجم المشكلة التي تعيشها كلّرو.
حوادث الوفيات التي حدثت بعد ذلك لثلاث أو أربع نساء كن حوامل قبل رحيل عرضو قاسي أكدت عمق الكارثة الوشيكة .


بابكر الأعرابي الذي يفد إلى القرية كل فترة وأخرى حاملاً حاجيات النساء وما يلزمهن خصوصاً دون غيرهن فوجئ بما لم يكن في حسبانه .. قال ذاهلاً " للمرة الأولى منذ اثني عشرة عاماً لا أبيع شيئاً .. ماذا أصاب هذه القرية ؟ عرضت الطلح والدلكة والبخور واللبان فلم يشتر مني أحد .. الأعشاب المقوية التي كن النساء يتقاتلن عليها ويوصينني بها بكثير من الحرص والتكتم ليقدمنها لأزواجهن خلسة طمعاً في إطالة عمر لحظات خاصة عادة ما تمر فاترة لم تجد مشترية تنظر إليها " .
وللمرة الأولى في تاريخ كلّرو يدخل عليها موسم حصاد البلح دون إستعدادت للزواج .. جرت العادة في القرية – كغيرها من قرى الشمال – أن يكون موسم البلح هو موسم التزاوج .. حاج محمد الحسن بذاكرته المعمرة – وقد صار أحد المراجع الرئيسية في الأيام الأخيرة لمقارنة الأحداث بما سبق – يؤكد أن موسماً واحداً للحصاد لم يمر من قبل دون زيجتين على الأقل .. أما هذا الموسم فكان شيئاً مختلفاً .. عزوف الناس عن الزواج بعد الأحداث كان أمراً مفهوماً للجميع .
الشيء الذي احتاج إلى التوضيح والشرح كان الطبع الحاد الثائر الذي اتصف به أهل القرية في الفترة الأخيرة .. أي خلاف صغير كان يمكن تجاوزه في الماضي أصبح سبباً للعراك والقطيعة في هذه الأيام .. منصور – مستنداً إلى شيء من ثقافته الجامعية إذ درس فصلين دراسيين بجامعة القاهرة فرع الخرطوم ثم تنكبها و عاد إلى كلرو محزونا – همس لمصطفي موضحاً بتعابير عاجزة عن إدراك المعنى " الإنسان مخزن محدود للطاقة إذا لم يستطع تفريغها صعدت إلى دماغه وأثرت على مزاجه " .
مصطفي عندما حكى هذا الكلام لغيره علق بخبث " لكنه لم يذكر شيئاً عن الكرامة الجريحة لزوج ترفضه زوجته".
إمام المسجد عمر ابن الحاج محمد الحسن كان أول من دعا الناس للبحث عن حل .. في يوم الجمعة تلا خطبة ذكّرت الكثيرين بخطبة العقد التي يلقيها عند الزواج .. قال أن الله جعلنا شعوباً وقبائل لنتعارف ، وأن الزواج نصف الدين .. قال " ذهب كثير من العلماء إلى أن الزواج واجب على المستطيع .. وما حال دون الواجب لزمت إزالته " .. ثم ختم خطبته بأن نهى الناس عن التهاون ، وذكرهم أن معظم النار من مستصغر الشرر .
علّق البعض على الخطبة بأنها غضبة من الشيخ عمر لأخته التي طلقها منصور ، وأسفاً على زوجته التي هجرته .. لكن عبد الرحيم التوم – ربما مدفوعاً برغبته في إتمام الزواج – دعا إلى عقد اجتماع عاجل لمناقشة المشكلة .


الاجتماع الذي عقد في أمسية نفس يوم الجمعة كان حدثاً غير مسبوق في تاريخ القرية .. في ما بعد سيقسم مصطفي أنه لم ير كل أهل كلّرو مجتمعين في مكان واحد إلا ذلك اليوم في فناء النادي .. الأهمية القصوى للاجتماع أسقطت كثيراً من التحفظات والتقاليد المتبعة في أمثال هذه الاجتماعات .. اختلاط الرجال والنساء الذي وصل حد الامتزاج ، والحوار الصريح ، وعدم تركز مقاليد الحديث لدى أشخاص بعينهم كما هي العادة ، كانت أشياء تظهر لأول مرّة في اجتماعات قرية في الشمال .. منصور عندما يتذكر ذلك اليوم الرهيب يقول " الحق أن ذلك اليوم أكد على انقسام تاريخ كلّرو إلى مرحلتين .. مرحلة عرضو قاسي ومرحلة ما بعد عرضو قاسي " .
المشاكل التي طرحت ذلك اليوم – واصطلح جماعة من شباب القرية ذوي الثقافة على تسميتها تحديات مرحلة ما بعد عرضو– كانت تتلخص في عزوف الشباب عن الزواج ، وانخفاض نسبة المواليد إلى الصفر مع استمرار حالات الوفاة ، أضف إلى ذلك التوتر والهياج المسيطران على طباع الجميع .. الشيخ عمر أضاف في كثير من الحرج " وهجر النساء أزواجهن .. وما في ذلك من تضييع لحقوق الزوج التي أمر الله بها ورسوله " .
اقتراح حاج إبراهيم سالينتود بتجاهل الأمر ونسيانه لقي معارضة شديدة .. صرخت فاطمة بنت العمدة أحمد – وللمرة الأولى في حياتها تتحدث أمام جمع من الرجال – "لن تموت نساء قريتنا إرضاءً لنزواتكم .. وفروا لنا داية وسيعود كل شيء إلى طبيعته " ..
ارتفعت الأصوات وساد التخبط في الآراء وأوشك الاجتماع أن يفشل عندما طلبت سمية فرصة للحديث .
اقتراح سمية الذي ألقته بكثير من العقلانية والهدوء وهي تنظر إلى عبد الرحيم التوم من طرف خفي كان وجيهاً بما لا يقاس بغيره من المقترحات .. اقترحت سمية أن يسافر وفد من وجهاء القرية إلى المدينة .
" .. هناك عليهم أن يقنعوا المسئولين بمأساتنا .. أخبروهم أن قرية كاملة – مجهولة لديهم – تحتضر لتوقف قانون الطبيعة فيها .. قولوا لهم أن كلّرو تموت ببطء .. كلما مات واحد هنا كان هذا طريقاً إلى نهاية القرية التي لم تعد تستطع أن تسد عجزها وفق قوانين الطبيعة .. الحل موجود لديهم .. متوفر بكثرة .. هذا الحل أسمه الطبيب " .
الاقتراح الذي لقي موافقة كاسحة من الجميع شُرِع في تنفيذه بأسرع مما تخيلت سمية وهي تلقيه .. في لحظات من الصدق تصيب نفسها وتجعلها تعري دواخلها تعترف " لم أكن واثقة عندما ذكرته أنه سيجد هذا القبول .. ما دفعني للكلام هو إحساسي بالعجز أمام المشكلة التي نواجهها وظلالها التي تلقيها على حياتي بصورة خاصة " .


الوفد الذي تكّون على عجل برئاسة الحاج إبراهيم سالينتود وعضوية مصطفي ومنصور وعبد الرحيم وآخرين اجتمع مرتين في منزل مصطفي لصياغة مطلب القرية بصورة مناسبة تقنع المسئولين .. الصياغة التي تمت وعرضت في اجتماع موسع لقيت قبولاً وموافقة دون كثير مراجعة .. أما سمية فاقترحت في هذا الاجتماع تكوين لجنة محلية للمتابعة والتسيير الداخلي يناط بها " ترتيب أوضاع القرية استعداداً لمواجهة متطلبات الطبيب الجديد " .
ما كان يدركه كل فرد أن عملية استقدام طبيب مقيم في القرية تحتاج إلى كثير من الجهد والاستعداد .. والأموال .. بصورة مبدئية اتفقوا على مبلغ يجمع من الأهالي لتقديمه شهرياً للطبيب في صورة بدلية من بدليات الجهد والمشقة للعمل في الأرياف .. بعد يومين من تكوين لجنة المتابعة المحلية وبدءها في جمع المال المطلوب والبحث عن منزل يليق بالطبيب سافر الوفد المنتخب إلى المدينة ..

عشرة أيام مرّت على قرية كلّرو مليئة بالنشاط والتحفز وكثير من الترقب .. القرية التي نسيت همومها التقليدية وغرقت في دوامة عمل اللجنة المحلية فوجئت بعودة الوفد دون تنبيه أو أخطار .
العودة التي حدثت في صمت يغلّفه الوجوم أربكت الكل .. الذين فوجئوا بمصطفي يفتح دكانه صبيحة أحد الأيام تسألوا عن هذه العودة الصامتة التي حدثت .. وعندما ارتفع صوت الحاج إبراهيم سالينتود يؤذن لصلاة الظهر سارع كثيرون إلى الجامع وفي ظنهم أن نتيجة الرحلة ستعرض بعد الصلاة .. لكنهم قوبلوا بالصمت التام والألم الظاهر على الحاج إبراهيم .
الأخبار تسربت بعد ذلك كعادة القرية التي لا تعرف الأسرار .. طلب الوفد قوبل بالتجاهل الصريح .. وكل محاولة لإقناع المسئولين انتهت بلا مبالاة قاسية .. أما عندما حملوا آمالهم إلى نائب الدائرة - الذي ساندوه في الانتخابات حتى تسبب ذلك في سوء علاقة القرية ببعض القرى المجاورة – فإنهم لم يجدوا سوى البشارة بإقامة مصنع للطوب الحراري في القريب .. " خلال عامين أو ثلاثة " كما قال لهم وهو يبتسم .
سمية قالت لرفيقاتها وهي تبكي " المدينة رفضت أن تمد يدها إلينا .. ببساطة قالوا أن المشكلة هي مشكلتنا وعلينا أن نحلها وحدنا " .
الوفد الذي سماه المتندرون – في مرارة – وفد سمية لم يعلق على ما حدث وقيل .. ولسنوات طويلة ظل مصطفي يغضب كلما سئل عن تفاصيل رحلتهم تلك .. أما عبد الرحيم فظل يتعوذ من المدن وأهلها لفترة ويظهر عليه الألم والمعاناة كلما أضطره أمر هام للسفر إلى المدينة .. ووجدها حاج محمد الحسن فرصة ليحدث الشباب عن الحكومات في عهد الانجليز ومفتش المركز القادم من ضواحي يوركشاير الذي يحل مشكلات المواطنين قبل أن يحسوا بها .
توترت القرية بعد فشل رحلة الوفد .. انطوى الجميع على أنفسهم وخيمت سحابة من التوجس والإحباط على سماء المعاملات بين الأهالي .

سمية التي بكت يوم عودة الوفد مدفوعة بإحساسها الشخصي بالهزيمة ومعرفتها بما يعنيه الفشل من استمرار المشكلة التي تغرس تعقيداتها في صميم حياتها ، لم تهدأ .. حملت أفكارها وهواجسها إلى كثيرين .. ناقشت ، جادلت ، وبكت .. أخيراً وبعد أيام من العناء كان لديها ما يمكن اعتباره حلاً حملته إلى حاج إبراهيم سالينتود .. نقاش طويل دار بينهما انتهى لصالحها .. بصورة سرية – قدر ما تحتمل القرية – عاود الوفد المهزوم اجتماعاته .. رفض منصور الفكرة مدفوعاً بكبريائه ورغبة منه في إبداء نوع من التميز بالممانعة .. الحقيقة أنه لو شك أن معارضته كانت ستفشل الوفد الجديد فإنه ما كان ليبديها أبداً . اما عبد الرحيم فقبلها من حيث المبدأ لكنه اعتذر عن المشاركة معلنا بدء مقاطعته للمدينة و ما فيها و من فيها ، و هي المقاطعة التي حافظ عليها ما وسعه بعد ذلك .
بعد يوم واحد سافر الوفد إلى الخرطوم .. هدف الرحلة – الذي تسرب كالعادة ليصبح سراً بين الجميع يتواطئون بذكره همساً – جعل شيء من الراحة يغمر النفوس .

الحل الذي اعتبره الجميع صائباً بل لاموا أنفسهم على عدم التفكير فيه منذ البداية كان البحث عن عرضو قاسي .. الوفد الذي سافر بعد أن انضمت إليه قنديل الفريق كان يحمل المشكلة هذه المرّة لعرضها على الداية عرضو قاسي بنت كايداهم مع دعوة حارة ومطلب وحيد ..
وهو عودتها إلى القرية .

***

سياسة مجزومة بالجزمة


[1]

في حصة اللغة العربية في الصف الرابع الابتدائي جلست قُرب النافذة شارد الفكر معلقاً بصري بسحابتين تتسابقان على صفحة السماء .أظنه من المعلوم أن النار و البحر و السماء و اللبن المغلي على النار هي أفضل الأشياء التي يمكن أن يشرد بالك و أنت تتأملها .كان الأستاذ علي ( أستاذ اللغة العربية ) يسأل الفصل و هم يجيبون في صوت واحد منغم .. أما أنا فكنت محلقاً في الملكوت . فيم كنت أفكر ؟ طبعاً في ما يمكن أن يفكر فيه أي طفل سارح ببصره في السماء . الفسحة .. حصة الفطور .. الفطور نفسه .. مسلسل الأطفال .. و غيرها من الأمور الحيوية الهامة.كان الأستاذ يسأل : مرفوع بشنو ؟فيردد الفصل : مرفوع بالضمة.يسأل الأستاذ : منصوب بشنو ؟فيردد الفصل : منصوب بالفتحة .لابد أن الأستاذ أدرك شرودي لذلك تقدم نحوي و هوى بالسوط على الدرج أمامي و سألني : مجزوم بشنو ؟كانت العودة من ملكوت الشرود الى ضيق الفصل مفاجئة لي جداً . لكني بسرعة تماسكت و استجمعت نفسي مجيباً بثقة :مجزوم بالجزمة يا أستاذ!!!


[2]

اعتقد أن أستاذ علي مدين لي بالاعتذار بعد كل هذه السنوات. فالجلدات اللائي نزلن على ظهري ذلك اليوم ثبت الآن و بالدليل القاطع أنهن كن عدوانا و جورا.فنحن اليوم نعيش زمن السياسات المجزومة بالجزمة .إن كنت تقرأ هذا المقال صبيحة الحادي و العشرين من يناير عام 2009 فأنت في أول أيام العالم دون الرئيس جورج وكر ( دبليو ) بوش .. فاحمد الله أن بلّغك هذا اليوم.


[3]

اسمه الكامل جورج وكر جورج هربرت وكر بوش.سأدعك تفكك الاسم وحدك لتعرف أيهم هو و أيهم والده و أيهم جده. بالتوفيق.والده ( جورج بوش الأب ) الرئيس الامريكي الأسبق . كان الوالد طالباً جامعياً متفوقاً . كما أنه كان لاعب بيسبول ماهر . و البيسبول هي اللعبة الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية . و هي لعبة انجليزية الأصل ( طبعاً فلا شئ أمريكي خالص ) تعتمد على ضرب الكرة بمضرب و العدو حول ميدان قبل أن يلتقطها أحدهم و يقذفها لأخر مع كثير من الأشياء الأخرى التي لا افهمها لكنها تبدو حماسية ممتعة في الأفلام .دخل الأب الماهر في البيسبول ( الذي لا شك انه عبقري لفهمه هذه اللعبة المعقدة ) مجلس الشيوخ الامريكي حين كان عمر جورج بوش الابن 20 عاماً . ثم أصبح بعد ذلك مديراً لوكالة المخابرات الأمريكية (C.I.A.) .. و التي كنا في صبانا ندمن الهتاف ضدها : لن تحكمنا السي أي إيه . فينبغي العلم أن ذلك الهتاف كان موجهاً ضد السيد جورج بوش مدير الوكالة في ذلك الزمن الذي حكمنا لاحقا و حكمنا بعده ابنه و يطمع أن يحكمنا ابنه الأخر و العياذ بالله .


[4]

جورج دبليو بوش الابن أحد ستة أبناء لهذا الوالد . ولد عام 1946 و أتم دراسته الجامعية عام 1968 في سنوات الغليان الأوربية تلك. حين كان الشباب يهتف لجيفارا و يدخنون المخدرات في الحدائق العامة و يمارسون الحب علناً . لكني أشك أن الرئيس الامريكي السابق جورج بوش الابن قد خرج في مظاهرة طلابية عاري الصدر و قد كتب على جسده شعارات الهيبيز كما كان يفعل أقرانه في ذلك الزمن.التحق الشاب الجامعي بعد تخرجه مباشرة بالحرس الجوي الوطني ليصبح طياراً مقاتلا ثم اتجه بعد فترة الى أعمال البترول فأسس شركة للتنقيب عن البترول و الغاز . فاكتسب الخبرة التي لم تفارقه بعد ذلك حتى في مجال السياسة . هذا الرجل مولع بالبترول منذ شبابه لذلك كانت فترة حكمه رحلة بحث و تأمين لهذا السائل الأسود الحيوي.اللطيف أنه كان احد المالكين لنادي بيسبول . يجري النفط في عروق هذه الأسرة و به كريات من البيسبول. مع وجود حمى شديدة اسمها العراق.

[5]

السنوات البوشية الفظيعة بدأت عام 2001م. ربما تعتقد أنها بدأت قبل ذلك لكني أؤكد لك أنها بدأت في 20 يناير 2001 لا أكثر و أن إحساسك مرده طول العناء حتى أحسست أن هذه المصيبة نازلة بنا منذ الأبد . هي مجرد سنوات ثمانية يا أخي فلماذا هذا الجزع.تولى جورج بوش الابن الرئاسة بعد تغلبه على المرشح الديمقراطي آل جور. و هو فوز غريب سعد من تابعوه بمسرحية تشبه ما يحدث في العالم الثالث.شبكات التلفزة تذيع تفوق آل جور. يعد الرجل السعيد خطاب فوزه و يتصل به بوش مهنئا و ربما باحثاً عن منصب. ثم فجأة تدخل شبكة تلفزة صديقة بخبر معاكس مفاده فوز بوش. و تختلط هنا روعة الإعلام بجمال أن يكون لك أخ هو حاكم إحدى أهم و اكبر الولايات . و كشأن دول إفريقيا تبدأ الطعونات القانونية و إعادة الفرز و كثير من الضوضاء التي تدوخ الناخب الامريكي الذي يتمنى أن ينتهي كل هذا الصخب لتواصل شبكة فوكس بث برامج تلفزيون الواقع التي يتابعها بشغف.و ينتهي المولد فجأة بفوز المهزوم و يسحب بوش الابن تهنئته لجور الذي يضطره الواجب و المجاملة أن يهنئ الرجل على المنصب الذي فاز به هو منذ قليل. و تبع المولد هزات متوسطة من الناخبين الأفارقة الذين حرموا من التصويت لكن أحدا لم يستمع إليهم. و ربما كان ذلك من حسن حظ باراك اوباما إذ جاءوا بعد ثمانية أعوام من حرمانهم من الإدلاء بأصواتهم ليؤرخوا لواقع جديد في أمريكا.


[6]

هل كان الرئيس الجديد نحساً ؟هل حسده آل جور فقام بزيارة سرية لشيخ خبير حاذق و أمده بقلامات اضافر لبوش و بعض شعرات له فقام بربط عمل له ؟تبدو لي الصورة مبالغ فيها أن أتخيل جور يشتكي بوش لشيخ يخط المحاية بقلم الكوبيا و يسأل عن اسم ام بوش ليكون العمل فعالاً.لكن بعمل أو بدونه فان جورج بوش لم ينعم في حكمه أكثر من ثمانية أشهر.ففي سبتمبر حلقت الطائرات فوق نيويورك لتطيح ببرج التجارة و تقتل حوالي خمسين ألف مواطن أمريكي في مشهد هوليودي مثير .يرى الأستاذ محمد حسنين هيكل أن الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن لها نظرية أمن من قبل بل كانت لها نظرية مصالح . و يرجع ذلك طبعا الى عزلتها المجيدة بعيدا خلف المحيط.لذلك يمكننا أن نفهم سر الذعر و الدهشة الذين أصابا سكان نيويورك ذلك الصباح و هم يرون مدينتهم تشتعل. لو حدث ذلك في أي مكان آخر في العالم لنظر السكان الى البرج المتهاوي في ملل و قالوا: أوه حرب أخرى !!ثم ينصرف أحدهم الى عمله.لكنها أمريكا حيث يشتكي كل الشباب من الملل و تعتقد كل شابة أن والدها سخيف . كان صباح الثلاثاء 11 سبتمبر 2001 كاسرا لحاجز الملل الامريكي التقليدي.و حرصت الحكومة الأمريكية ان لا يحس احد بالملل بعد ذلك.فبدأت متاهة كبيرة من الحروب الصليبية و الإرهاب .. و لهث المواطن الامريكي و هو يتابع أخبار رسائل الجمرة الخبيثة .. و الأفغان الأوغاد الذين رفضوا تسليم ابن لادن الشيطان الأكبر ورئيس حلف الشر .. ثم علم النجوم الزاهرة المرفرف في كابول معلنا النصر لكن ظهر ( كما في أفلام هوليوود ) أن من كنا نظنه الشرير الأكبر ليس هو المطلوب بل هناك آخر اسمه صدام حسين في العراق يحرك ذلك الوغد و يمده بالسلاح و يحتفظ – ربما – في حجرة نومه برؤوس نووية ينوي أن يهاجم بها أمريكا في اقرب فرصة . ماذا نفعل ؟ طبعا المارينز الامريكي لا يتردد.. يقفز على متن دبابته و يقودها بمهارة وسط جموع العرب البرابرة مع موسيقى تصويرية في الخلفية تبعث الحماسة فيك ليقتحم المارينز بغداد و يلف العلم الامريكي على وجه تمثال صدام الشرير.لو فكر – مجرد تفكير – ستيفن كينج في تقديم ثيمة كهذه في فيلم لكان فيلما هابطا تفلس الشركة المنتجة له بعد أسبوع. لكن الله يرزق من يشاء . لم يتسبب هذا الفيلم في خسارة جورج بوش الابن للانتخابات التالية رغم انه خسر المناظرات أمام خصمه جون كيري.اللطيف أن التلفزيون سأل مواطناً أمريكيا عن فوز بوش رغم خسارته للمناظرات. قال المواطن في ذكاء و هو يضيق عينيه في حكمة : كان لابد أن يفوز بوش لأنه خسر المناظرات .. إن الفوز بالمناظرات لا يعني شيئاً.وهي حكمة عزيزة لا تتأتى للعربجية من أمثالي.منطق هذا الأخ أن بوش فاز لأنه خسر المناظرات. الحمد لله على نعمة العقل.


[7]

صبيحة الثلاثاء 11 سبتمبر 2001 و بينما كان آلاف الأمريكان يحترقون في برج التجارة كان الرئيس الامريكي جورج بوش الابن يجلس في مدرسة أطفال في فلوريدا و يتبادل مع الأطفال أراء هامة." كانت الفتاة تمتلك معزة أليفة لكن المعزة فعلت شيئاً أغضب والد الفتاة "هذا ما كان يقرأه الأطفال على الرئيس بوش حين اخبره مرافقوه أن بلاده تتعرض للهجوم. لكن الرئيس اللطيف لم يشأ أن يقطع على الأطفال جلستهم فواصل إفادتهم برأيه حول ما سمعه منهم عن المعزة اللطيفة . قال الرئيس :" أمر مؤثر جداً. أشكركم جميعا شكرا جزيلا لما أريتموني من مهارات في القراءة . أنا أراهن أنكم تتدربون أليس كذلك ؟ ألا تقرأون أكثر مما تشاهدون التلفاز ؟ " لا شك أن الموقف كان مؤثرا الى درجة البكاء و الحكمة هذه تنساب من شفتي الرئيس الذي تتعرض بلاده لهجوم مجهول المصدر .لكن هل كان مجهولاً ؟يظن كثير من المحللين أن الحكومة نفسها كان لها يدا في ما حدث لبلدها . و ربما كانت الحاجة لنظرية أمن مبررا كافيا لقتل بضعة آلاف من الشعب . ربما .لكن المؤكد أن الوجدان الشعبي كان مستعداً أن يسمع أي شئ يقال له عن المسلمين و العرب.في فيلم " أرميجدون " الامريكي تضرب مجموعة من النيازك الأرض .. لكن سائق التاكسي الامريكي يصرخ مباشرة حين يراها : " صدام حسين يهاجمنا .. إنها الحرب " .هذا نفس ما فعله الرئيس بوش فقط بتقديم ابن لادن على صدام لدواعي كثيرة


[8]

هكذا خرج المارينز الامريكي ليثأر ممن أهانوه لأول مره في عقر داره. فمقارنة بما فعله اليابانيون في بيرل هاربر تصبح فعلة اليابانيين أشبه بعبث الأطفال.لم يهتم جورج بوش بأن ستة من المتهمين باختطاف الطائرات و تفجيرها كانوا بعد أحياء في أماكن متفرقة من العالم مما يعني أن التقارير و الأساطير التي نسجت حول الشباب المسلم المتطرف الذي درس في معاهد الطيران ثم اختطف الطائرات كله مجرد تمثيلية هوليودية. لا وقت لدى بوش الابن لسماع هذا الهراء. لقد حدد خصمه و جاء المبرر على طائرة بوينج انتحارية. فلماذا ينتظر ؟ إن التقصي من خصائص الضعفاء و النساء العجائز . أما هو فيسرع لعمل ما ينبغي عليه عمله. طبعا هذا بعد أن استمع الى حكاية المعزة الأليفة .خرج المارينز يقاتل في ضواحي كابول ثم جال في بغداد بحجة جعل العالم مكان أكثر أمناً . و هو الوعد الذي قطعة الرئيس جورج بوش الابن على نفسه.فهل غادر بوش بالأمس و العالم أكثر أمنا من يوم جاء ؟اعتقد أن المعزة الأليفة نفسها قادرة على أن تجيب هذا السؤال.لكن الحقيقة التي لا تنكر أن الرئيس اجتهد أن يجعل بترول المنطقة أكثر أمناً لأمريكا.

[9]

ما فعله الصحفي العراقي منتصر الزيدي لم يكن سوى تعبيرا عفويا صادقا للرد على جمائل الرئيس بوش.و من حسن حظ الرئيس أن التعبير جاء رمزيا من رجل واحد عبر عن الملايين في العالم . فلو كان للجميع الفرصة في التعبير عن رأيهم في سياسة بوش لكان الرئيس في وضع صعب قليلاً . إن ملايين الأحذية يمكن أن تكون سلاح دمار شامل .


[10]

أستاذي الفاضل علي ..

بعد مرور كل هذه السنوات أطالبك بالاعتذار فقد ثبت أني اعرف دروبا في اللغة لم يكن أوان الكشف عنها قد جاء .لقد كانت السنوات البوشية السابقة كلها سنوات مجزومة بالجزمة .. و هو التصريف الذي أنكرته عليّ قديماً .أستاذي .. اعتقد انك مدين لي بالاعتذار .. اعتقد جازماً .مع مودتي يا أستاذي العزيز.


***

لا يوجد اشرار في هذه المدينة


[1]

و العنوان مقتبس من رائعة جابرييل ماركيز " لا يوجد لصوص في هذه المدينة " ..و كذا التاريخ في السودان .. بكل تناقضاته و مواقفه المتباينة إلا انه يحكم على ابطاله بذات المنطق بالبراءة ..يستوى في ذلك التاريخ المكتوب – و ما أقله – و التاريخ الشفوي .يكذب التاريخ السوداني المقولة الزاعمة " ان التاريخ يكتبه المنتصرون " .و ان صدقنا المقولة فلا مهزومين في تاريخ السودان ..الجميع ابطال شرفاء و إن تناقضت مواقفهم .ان كان التاريخ هو علم " النميمة المهذبة " على العموم .. فهو في السودان نميمة حيية خجول لا تسئ الى أحد .


[2]

الفترتان الاعظم في تاريخ السودان منذ 1821م دخول الترك الى السودان بقيادة اسماعيل باشا ذلك الشاب الطائش كما وصفه المؤرخون الذي لم يحسن معاملة المك نمر فدفع ثم ذلك شياً على نار هادئة مات مختنقا قبل ان تأكله الى 1899م حين دوت أخر طلقة في ام دبيكرات بعد مصرع الخليفة و من كان معه على سجاجيدهم .. و منذ 1899م حين استتب الأمر للحكم الثنائي الى 1956م حين رفرف العلم السوداني ذو الألوان الثلاثة على سارية سراي غردون و تحرر الناس " الكانو عبيد يا اسماعيل " ..كل الذين ملأوا فراغ هاتين الفترتين يمجدهم التاريخ و يحتفي بهم ..القاتل و المقتول ..هم في التاريخ " أهل الجنة التقوا فضرب بعضهم اعناق بعض " ..


[3]

يذكر التاريخ بكل المجد قتال الشايقية ضد جيش اسماعيل باشا في جبل داغر .. لكنه يسكت عن تحول ولائهم بعد ذلك و قتالهم في صف الدفتردار .. و حين يقول رودلف سلاطين في مذكراته إن المهدي عند دخوله الخرطوم أهدر دماء الشايقية فإن التاريخ يدير عينيه عن هذا التصريح حياءاً كعذراء مخدرة ترى ما يسوء .

هل كان سلاطين كاذبا في هذا ؟ هل هو صادق ؟لا يرد احد .


[4]

الموقف من الانجليز لم يسلم من هذا التضاد .. و ظل التاريخ على حياءه لا يصدر احكاما ..يمدح الشريف الهندي الحكم الانجليزي بقوله :" .. الأمة السودانية سوادها الأعظم و ملأها الأكبر مرتاحة و مطمئنة بما لم يسبق له مثيل .. و شاكرة بما تراه من العدل و الحرية و الأمن .. " .بل حتى رجال العصر المهدوي السابق لم يسلموا من هذا المسلك ..الشيخ الشاعر محمد عمر البنا صاحب القصيدة الرائعة ذات المطلع الشهير :

الحرب صبر و اللقاء ثبات و الموت في شأن الإله حياة

التي يصف فيها رجال المهدية بقوله :

قوم اذا حمي الوطيس رأيتهم شم الجباه و للضعيف حماة

و لباسهم سرد الحديد و بأسهم شهدت به يوم اللقا الغارات

و يحرض فيها على غزو الخرطوم بقوله :

فانهض الى الخرطوم إن بسوحه أهل الغواية و الضلالة باتوا

نبذوا الشريعة من وراء ظهورهم عن دينهم شغلتهم الشهوات

خذ جيشك المنصور لا تحفل بهم و لتقدمن أمامــــه الرايات

فتســورا لهم الخـــنادق و افعلوا فعل الصحابة اذ أتت غزوات

الشيخ كان مقربا من الخليفة التعايشي .. و من مستشاريه .. و كان هو من علم ابناء الخليفة الفقه و اللغة .هو ذات الشيخ الذي يذكر عنه بابكر بدري أنه في عام 1908م كان مفتشا للمحاكم الشرعية و زار مدرسة بمعية السير ونجت .. و حين قام أحد الطلبة بحل مسألة حسابية في الكسور العشرية سأله ونجت : " أأنت تعرف مثل هذا يا شيخ البنا ؟ " .. فكان جواب الشيخ :" لا أعرف يا سعادة الباشا .. و هل هذا و أمثاله كانت موجودة في السودان قبل أن تشرفوه ؟ " .. (!!! )السير ونجت ان لم تعرفه فهو الخواجه الذي خطط حملة غزو السودان .. و ادار لذلك حملة اعلامية كبيرة عن الثأر لغردون و استغل فيها هزيمة المهدية في توشكي .. و هو نفسه قائد حملة أم دبيكرات التي قتلت الخليفة و ابنه عثمان شيخ الدين تلميذ الشيخ البنا .


[5]

لم يلق التاريخ بالملامة على الذين صادقوا الإنجليز و لهجوا بالثناء عليهم بعد كرري .. فمن يحاسب من و قد انعم ملك بريطانيا على السيد عبد الرحمن المهدي بلقب فارس ( سير ) .. و تناساه التاريخ كأن لم يكن ..عفوا .. لم ينسه تماما فصحف الخمسينيات كانت تذكر اسمه بوصفه " السيد الحسيب النسيب السير عبد الرحمن المهدي " ..و من يحاسب من و سيف المهدي المنصور دفع الى السير عبد الرحمن " ليقاتل به اعداء الامبراطورية " كما قال الملك جورج ملك بريطانيا .


[6]

يقول الشيخ بابكر بدري في مذكراته للمستر ديفس مدير المخابرات في السودان عن السيد عبد الرحمن المهدي :" .. و اني لأعجب من حكومة عاقلة كهذه الحكومة ان تعدل عن مصادقة رجل واحد بمرضاته اليسيرة عليها لتحفظ بذلك قلوب ثلث رعيتها إن لم يكن نصفها .. و أعجب أكثر من أن السيد عبد الرحمن يقول لها انا صديقكم فتقول له انت عدونا .. " . (!!)


[7]

ثورة 1924م .. علي عبد اللطيف و صحبه .. عبد الفضيل و المستشفى العسكري و الموت وحيدا تحت الهدم .. اللواء الأبيض و أحلام الوطنية ..في يونيو 1924 م أرسل اعضاء جمعية اللواء الأبيض برقية للبرلمان المصري بمناسبة افتتاحه .. جاء فيها :" نحن المجتمعون هنا من أهالي السودان نتقدم باخلاصنا و ولائنا لصاحب الجلالة المليك المفدى و نشارككم في هذا العيد السعيد و لا نخشى من الوعد و الوعيد و لا نرضخ للنار و الحديد .. "و المليك المفدى المذكور هو الملك فؤاد الأول .. ملك مصر و السودان ...و يورد الأستاذ حسن نجيله نص دفاع اعضاء الجمعية عن انفسهم في الثورة التي قاموا بها :" .. علمنا أن هناك مساعي ترمي لفصل السودان عن مصر .. و الى تجزئة وادي النيل .. و علمنا أن مليك وادي النيل فؤاد الأول حصل التعريض به في محكمة جنايات الخرطوم .. " .هذا و الذين شاركوا في حملة ود النجومي لغزو عاصمة مليك البلاد لازالوا احياء ..بل منهم ابناء عبد الرحمن النجومي و أحدهم اصبح ياورا للواء محمد نجيب الرئيس المصري فيما بعد.و على الجانب الأخر وصفت جريدة " الحضارة " تحرك الضباط في 1924 بأنه حركة أولاد الشوارع .. و أن البلاد قد أهينت لما تظاهر أصغر و أوضع رجالها متحدثا باسمها .. و تتسأل الصحيفة :" من هو علي عبد اللطيف الذي أصبح مشهورا حديثا ؟ و الى أي قبيلة ينسب ؟ "صحيفة الحضارة هي التي وصفها الأستاذ نجيلة بقوله : " .. أول صحيفة سودانية لحما و دما و روحا .. " .و كانت الصحيفة في ذلك الوقت مملوكة " للسادة " علي الميرغني و عبد الرحمن المهدي و الشريف يوسف الهندي .


[ 8 ]

الذين احتفوا بالجيوش الغازية وطنيون في التاريخ .و الذين ماتوا امام بنادق الجيوش الغازية وطنيون في التاريخ .يصطفون جوار بعضهم البعضم في اخاء يحسدون عليه.


[9]

قال عبيد حاج الأمين أحد قادة حركة 1924 م في محاكمته :" انكم تستطيعون ان تحاكموني .. لكنكم لن تستطيعوا الحكم عليَ .. فإن هذا للشعب و للتاريخ " .
لكن التاريخ السوداني خفر ذو حياء و أدب .. يفضل الحكم بمنطق " لا يوجد أشرار في هذه المدينة " .
سؤالنا للتاريخ و أهله : من خان الوطن ؟ من كان البطل و من كان الشرير ؟لا يوجد أشرار في هذه المدينة ..


***